![]() |
![]() |
![]() |
|
|
المشاركة رقم : 241 (permalink) | |
|
كنت أنتظر إشارة من أروى لأعود للمزرعة ونعود لمناقشة الخلافات الأخيرة الحاصلة بيننا.. والأيام التي قضيتها مع شقيقي بعيدا عن أي مشاكل كانت كافية لإرخاء الشد الحاصل في أعصابي. فكرتك كانت نافعة يا أروى.. أعترف بهذا. اتصلت بي البارحة وأخبرتني أنها ترغب في مقابلتي.. منذ ارتباطنا وأروى أمامي يوميا لم يفصلها عني غير الشهر الأسود الذي تلا مقتل والدايّ رحمهما الله والذي قضيته مع سامر ورغد بعيدا عنها.. أما رغد فمنذ أن التحقت برعايتي لم أفترق عنها غير الأيام التي سبقت رحيلنا الأخير إلى الجنوب. والحديث القصير معها عبر الهاتف جعلني أشتعل شوقا لرؤيتها والاطمئنان على وضعها وصحتها.. ولو لم ابتعدت كثيرا.. لربما سلك بي شوقي الطريق إليها.. الاستقبال الذي استقبلتني به أروى كان باردا.. على عكس الطريقة التي ودعتني بها.. واخترنا الغرفة الخارجية الملاصقة للمنزل, والتي كنت أقيم فيها فيما مضى.. مكانا لحديثنا المطول.. أروى ظهرت أكثر هدوءا وتماسكا مما كانت عليه خلال الآونة الأخيرة.. ولم تتعمد الإطالة في المقدمات بل قالت مباشرة: "كما قلنا.. يجب أن نضع نهاية لكل المشاكل والخلافات الحاصلة بيننا نحن الثلاثة". تعنيني أنا وهي ورغد.. قلت: "وهل وجدت حلا مناسبا؟" بدا الجد يعلو قسمات وجهها وأخذت نفسا عميقا ثم قالت: "نعم.. وهو.. بيدك أنت يا وليد". شعرت بالفضول والحيرة.. لم أفهم ما الذي عنته فسألتها: "بيدي أنا؟ ما هو؟" قالت: "يجب أن تكون مستعدا له". ازدادت حيرتي وقلت: "بالطبع فأنا أريد بالفعل أن نتجنب التصادم مستقبلا وإلى الأبد... إذا كان الحل بيدي فأنا لن أتردد.. لكن ماذا تقصدين؟" هنا توقفت أروى عن الكلام وكأنها تستجمع قواها لتنطق بالجملة التالية.. تلك الجملة التي من قوتها.. كاد سقف الغرفة أن ينهار على رأسي.. "وليد.. عليك أن تختار.. مع من تريد العيش... إما أنا.. أو رغد". وقوع سقف بهذا الحجم على رأس موقوت مسبقا.. لا يسبب التكسر والتهشم فقط.. بل ويفجره إلى شظايا تنطلق مخترقة الفضاء إلى ما لانهاية.. تسمرت على وضعي مذهولا.. أشد ذهولا من الذهول ذاته.. أحاول أن أترجم اللغة العجيبة التي التقطتها أذناي منطلقة من لسان أروى.. لم أتحدث فأنا لم أعد أملك رأسا يدير حركة لساني.. أرووى بعد الجمود الذي رأته علي قالت: "وليد.. صدقني.. الحياة بوجودنا معا نحن الثلاثة مستحيلة.. لقد فكرت مليا طوال الأيام الماضية.. مرارا وتكرارا.. ولم أجد لمشكلتنا مخرجا غير هذا.. لن نستمر واقفين على فوهة البركان.. أنا ورغد لا يمكن أن نجتمع تحت سقف واحد بعد الآن.. أبدا يا وليد". أي سقف؟ وهل أبقيت في المنزل أية أسقف؟ لقد أوقعتها كلها على رأسي يا أروى... فعن أي سقف تتحدثين؟؟ أخيرا استطعت النطق: "ما الذي تهذين به؟" توترت أروى.. وقالت: "هذا هو الواقع... أنا وابنة عمك يستحيل عيشنا سوية في سلام.. لا تتحمل إحدانا وجود الثانية أبدا.. إما أن تعيش معي.. أو تعيش معها.. يجب أن تختار". صرخت: "أروى... هل جننت؟" صاحت أروى: "بل هذا هو عين الصواب.. إنني سأجن فعلا إن بقيت مع ابنة عمك في بيت واحد". انفعلت وثرت فجأة.. وهببت واقفا أضرب كفي الأيسر بقبضتي اليمنى... وقفت أروى وقالت: "أرجوك أن تحافظ على هدوئك لنتابع النقاش". صرخت بعصبية: "أحافظ على هدوئي؟ كيف تريدين مني البقاء هادئا بعد هذا الجنون الذي تفوهت به؟ إنني لم أتوقع أن تكوني أنت كارهة لرغد لهذا الحد أبدا". قالت منفعلة: "وأنا لم أقل إنني أكرهها". قاطعتها: "وبم تترجمين موقفك هذا؟" أجابت: "إنه حل وليس موقف.. واحدة منا فقط ستعود وتبقى معك.. وعلى الأخرى أن تظل هنا... هذا من أجل راحتنا جميعا". قلت غاضبا: "من أجل راحة من؟؟ تريدين مني أن أتخلى عن رعاية ابنة عمي وتقولين راحتنا جميعا؟؟" هتفت أروى: "أنا لم أقل تخل عنها". قلت ثائرا: "وما تفسيرك إذن لتركي لها هنا؟" قالت: "ولم أقل اتركها هي... قلت إنك من يجب عليه أن يختار.. إما أنا أو هي". وقفت مأخوذا بأعماق أكبر وأغزر.. لكلام أروى.. قلت: "أروى... بربك... ماذا تعنين؟؟" رمقتني بنظرات ملؤها المعاني... سألت: "تعنين.. أن أعود معها هي.. وأتركك هنا؟" رفعت أروى رأسها بشموخ وقالت: "إن قررت اختيارها هي". اندهشت وقلت: "لا بد أن شيئا ما قد ألم بعقلك يا أروى". لم تعلق فتابعت: "إلا إذا كنت... تعنين لفترة محددة.. ريثما تهدأ الأوضاع". قالت بثقة: "لا... بل أعني للأبد.." صعقت وسألت غير مصدق: "وأنت؟" قالت وعضلات وجهها قد خذلتها وبدأت بالإنهيار: "لن أعيش معك ما دامت رغد تحت ولايتك.." من ذهولي لم أعرف كيف أرد.. رفعت يدي وأمسكت بعضديها ونظرت إلى عينيها بجدية ثم قلت: " هل تعنين ما تتفوهين به يا أروى؟؟" أجابت وأول دمعة تنزلق بين رموشها: "أعنيه وأعنيه تماما يا وليد.. لن أستمر معك.. ما بقيت ابنة عمك تحت رعايتك.. إن أردت لحياتنا أن تستمر معا.. تنازل عن وصايتها.. وأبعدها عنا". أطرقت برأسي رفضا لتصديق ما أسمع.. وضغطت على عضدي أروى وقلت: "كلا.. أنت لا تعنين ما تقولين يا أروى.. لا شك أنني أحلم". أروى عصرت عينيها وتدفقت الدموع بغزارة منهمرة منهما. هززتها وقلت: "كلميني يا أروى.. أخبريني بأنك تهذين.." أروى فجأة رمت برأسها على صدري وانفجرت باكية وهي تزفر: "لا أتحمل هذا... ارحمني وليد.. لا يمكن لقلبي أن يتحمل العيش مع فتاة أعرف أنك تحبها.. ما الذي تخطط له بشأنها؟؟ كم أنت قاس علي..." وانهارت أروى في بكاء طويل حارق.. لم أحرك ساكنا.. وانتظرت حتى أفرغت دموعها في ملابسي.. وبكاءها بين ضلوعي.. بعدها أبعدت رأسها عن صدري ونظرت إلي.. "ماذا قررت؟" سألتني ونظرتها متعلقة بعيني... فلم أرد.. فنادتني: "وليد... أنا.. أم هي؟" عضضت على أسناني توترا ثم قلت: "سأعتبر نفسي لم أسمع شيئا اليوم". قالت بحنق: "وليد.. لا تهرب من سؤالي". رددت بحدة: "إنه ليس سؤالا يا أروى... إنه الجنون.. يبدو أنك لم تسترخي بما فيه الكفاية بعد.. سأتركك لتراجعي حساباتك الحمقاء هذه ثانية". وتركتها وغادرت الغرفة.. في المزرعة وجدت العم إلياس والخالة ليندا يعملان مع بقية العمال في حرث بقعة من الأرض.. قلت مخاطبا الخالة: "خالتي.. دعي عنك هذا أرجوك". فقالت بسرور: "إنني أستمتع بحرث الأرض يا بني.. ثم إنه تمرين جيد لتنشيط القلب". قلت: "بل هو شاق على مرضى القلب.. أرجوك توقفي". واقتربت منها وانتزعت الأداة من بين يديها وطلبت منها الذهاب للراحة.. كانت أشعة الشمس لا تزال ساطعة بقوة والجو اليوم أكثر حرارة مما كان عليه الأسبوع الماضي.. شمرت عن ساعدي وأمسكت بالمعول وجعلت أضرب الأرض بقوة.. وكلما تذكرت كلام أروى ضربتها بقوة أكبر وأكبر.. وكأنها السؤولة عن دوامة المشاكل التي أعيشها.. كأن بيني وبينها ثأر كبير... عملت بهمة لا تتناسب والحالة المزاجية المتعكرة التي تسيطر علي.. ومرت الساعات واختفى قرص الشمس خلف ستار الأفق.. الذي خبأ بحرص شديد.. ما ستشرق به شمس الصباح التالة.. كان الإعياء قد نال من عضلاتي والعرق قد أغرق جسدي حينما ألقيت بالمعول جانبا واستلقيت على الرمال ألتقط أنفاسي.. تنفست بعمق شديد وأنا شارد التفكير.. أنظر إلى السماء وقد بدأ الظلام يلونها بلون الحداد الكئيب... أمام عيني كنت أرى كلمات أروى تتراقص مع أوراق الشجر.. ذات اليمين وذات الشمال.. وتسبب لي دوارا.. أغمضت عيني لأحول دون رؤية أي شيء.. فأنا هذه اللحظة لا أريد لأي مؤثر خارجي أن يغزو تفكيري.. شعرت بشيء يسري على ذراعي.. حركت يدي فأحسست بحبات الرمل تعلق بي..جذبت نفسا فخيل إلي أنني أشم رائحة دخان السجائر.. وسمعت أصوات أشخاص كثر ينمنمون.. فتحت عيني بسرعة.. وهببت جالسا..لمحت حشرة تسير على ذراعي فأبعدتها ونفضت التراب عن يدي.. وتلفت يمنة ويسرة أبحث عن مصدر الرائحة والصوت.. لقد كنت واهما.. إنني في المزرعة الآن.. ولست في السجن.. لا اعرف لماذا عادت بي الذكريات إلى الزنزانة.. وتوهمت أنني أنام على الفراش الخشبي القذر.. تعلق بي حبات الرمل والغبار.. وتسير الحشرات على جسدي.. وتحشو رائحة السجائر والعرق تجويف أنفي.. كلا كلا!... وقفت منتفضا وأنا أطرد الذكرى البشعة من مخيلتي... مددت أطرافي الأربعة إلى أقصاها.. وتنفست نفسا عميقا وزفرت باسترخاء... ثم أجريت تمارين إرخاء سريعة.. دخلت بعدها إلى المنزل.. تحاشيت الالتقاء بأروى وتعمدت عدم الظهور في أماكن تواجدها.. وأبقيت موضوعنا معلقا لحين إشعار آخر..
|
||
|
|
|
|
|
المشاركة رقم : 242 (permalink) | |
|
الحلقة الخامسة والأربعون الجفـــاء القــاتـــل طرت من الفرح.. عندما أخبرني وليد بأنه قادم لزيارتنا هذه الليلة... فأنا لم أره منذ أسبوع.. وأشعر بحنين شديد إليه. وشعرت بالحسرة لأنني لم أستطع المشاركة في إعداد طعام العشاء مع خالتي وابنتيها... قلت مخاطبة نهلة: "يحب عصير البرتقال الطازج.. أرجوك حضري كمية كبيرة منه". فتحت نهلة درج الثلاجة المليء بثمار البرتقال وأشارت إليها وقالت ساخرة: "كل هذا؟" سارة انفجرت ضاحكة فوبختها خالتي.. أما أنا فرمقت نهلة بنظرة غضب فابتسمت وقالت: "حاضر سيدتي.. وماذا أحضر بعد؟" وكنت قد أخبرت خالتي عن الأطباق التي يفضلها وليد وطلبت منها أن تحضرها بسخاء! سمعت خالتي تسأل: "ماذا عن سامر؟ هل تأكدت من أنه لن يحضر؟" أجبت: "نعم. هكذا أجاب وليد عندما سألته.. لكن اعملي حسابه.. ربما يغير رأيه ويأتي". قالت سارة مفاجأة: "أصبح وجه سامر وسيما الآن. هل ستتزوجين منه ثانية يا رغد؟" هذه المرة خالتي زجرت ابنتها بعنف بل وطردتها من المطبخ... سارة غبية لدرجة ملحوظة.. وتفكيرها سخيف جدا... الصمت حل على المطبخ بعد مغادرتها وأرادت نهلة أن تلطف الأجواء فسألتني: "وخطيبته وأمها ؟؟ أمتأكدة من أنهما لن تحضرا؟" كانت تعرف هي الأجابة ولكنني جاريتها: "لن تحضر.. سيأتي وليد فقط". قالت ماهو الخطأ الذي قلته؟" أوه.. إنها حتى لا تدرك خطأها ! إنها طفلة بريئة ولا تستحق العقاب.. قلت: "عندما قلت عن سامر إنه أصبح وسيما وسألتني إن كنت سأتزوج منه". قالت ببلادة: " ما الخطأ في ذلك؟ لقد أصبح وسيما بالفعل عندما عالج عينه البشعة". قلت مجارية: "نعم أعرف". وانتظرت هي مني أيضاح الخطأ.. فقلت: "لكن لا يليق أن تسأليني إن كنت سأتزوجه أم لا.. أولا لأنك صغيرة السن ولا يستساغ منك كلام كبير كهذا.. وثانيا لأنني وسامر قد انفصلنا عن بعضنا البعض نهائيا ولن نتزوج ثانية.." ونظرت إلى عينها أستشف منهما الفهم, لكن.. لا يبدو أنها استوعبت تماما ما عنيت! قالت: "إذن ستتزوجين بحسام؟" أوه... ألهمني الصبر يا رب! أجبت: "كلا". قالت: "إذن بمن؟" قلت مظهرة الغضب لأفهمها أن عليها التوقف عن هذا: "لا أعرف يا سارة ولا تكرري الحديث عن أمور كهذه ثانية.. مفهوم..؟؟" واستدرت راغبة في الانصراف عنها.. فسمعتها تقول: "أنا أعرف بمن". استدرت إلى سارة مجددا فوجدتها تبتسم ولكن هذه المرة بمكر! قلت مجارية لها: "بمن في اعتقادك؟" قالت: "بابن عمك الطويل.. فأنا سمعتك تخبرين أختي بهذا ". وليد بعد العشاء.. جلست مع أبي حسام والخالة وحسام ورغد نتجاذب أطراف الحديث.. أحاديثنا منذ البداية كانت عادية وغير هادفة.. باستثناء اعتذار أم حسام الذي أزاح عني حملا... لم أهنأ بزواله... أما الصغيرة كانت صامتة إلا عن نظرات تلقيها علي من حين لآخر! ولكن هل يبدو في مظهري شيء غريب؟؟ سألت أم حسام: "كم ستمكث في البلدة؟" أجبت: "أسبوع كحد أقصى.. بعض شئون العمل متوقفة على حضوري.." قالت: "وماذا عن رغد؟" بسرعة التفت إلى الصغيرة واشتبكت نظراتنا.. ثم عدت إلى أم حسام: "ستأتي معي قطعا". وهل هناك شك في الأمر؟؟ أم حسام قالت: "أليست إجازتها المرضية ممتدة لعدة أسابيع.. لن تكون هناك دراسة ولا جامعة وبالتالي لا داعي لسفرها". عدت ونظرت إلى رغد.. متوقعا أن تكون هذه فكرتها.. ثم قالت: "نعم ولكن..لديها موعد الطبيب في الأسبوع المقبل.. كما وأنها يجب أن تبقى قريبة من المستشفى لمتابعة العلاج.. هذا إلى أنه... بإمكانها الدراسة في المنزل والاستعانة بصديقاتها خلال فترة الاجازة". أليس كلامي منطقي ا؟؟ أم حسام قالت وقد طغت الجدية على نبرة صوتها: "في الحقيقة يا وليد.. وباختصار وبلا مقدمات.. أريد أن تبقى ابنة أختي تحت رعايتي من الآن فصاعدا". أصبت بالدهشة.. وقلت مستغربا: "ما الذي تقصدينه ؟؟" أجابت بكل ثقة: "أقصد أن تبقى هنا في بيتي وتحت ناظري وبين أبنائي.. وهو المكان الطبيعي لها أساسا". درت بعيني بعشوائية ثم ألقيت نظرة على رغد أستشف منها موقفها.. لكني لم أفهم المعاني المرتسمة على وجهها.. قلت: "خالتي.. ألم يسبق وأن أغلقنا هذا الموضوع بعد أن أشبعناه حوارا وختمنا القرارات؟ بقاء رغد تحت وصايتي أمر مفروغ منه البتة ولا مجال للحديث فيه أصلا". تدخل حسام وقال: "هذا ما تفرضه أنت". لم أعره اهتماما وركزت أسماعي على الخالة التي تابعت: "لم ننهه لكنك أصررت على موقفك واستغللت شغف الفتاة بالدراسة كيف تكسبها إلى جانبك". استغلال؟؟ عندما أفكر في مسقبل رغد.. وأخطط له.. تسمونه استغلال؟؟ حسام قال: "إنهم يعيدون ترميم المبنى المدمر من الجامعة هنا وستفتح العام المقبل وتستطيع رغد العودة إليها مجددا". قلت: "ولماذا عليها أن تفل ذلك ؟ الجامعة الأهلية في الجنوب أفضل مستوى وقد قطعت شوطا مهما وبنجاح فلم تفكر أصلا في تغيير الجامعة؟" كنت سأوجه سؤالا إلى رغد غير أن أم حسام سبقتني بالحديث: "لتبقى معي.. وإن كانت حجتك الدراسة فها هو الحل أمامك". استفزتني الجملة وقلت: "ليست مسألة الجامعة فقط... رغد تحت وصايتي أنا وأريد أن آخذها معي". قالت أم حسام وبصوت حاد: "في هذه المرة أعدتها إلينا بالجبائر... في المرة القادمة كيف ستعيدها إلينا ؟؟" أبو حسام تدخل ليخفف الشد الحاصل فقال: "نحن نعرف أنك تعتني بها جيدا ولكن إنه قلب الأم.. لا تتصور كم كانت خالتها مشغولة البال والقلب عليها ". قال حسام: "جميعنا كنا قلقون عليها وهي بعيدة كل ذلك البعد. يجب أن تقدر مشاعرنا". كأنك تماديت يا حسام؟ مشاعر ماذا تقصد؟ يجب أن تتوقف عند هذا قبل أن تشعل غضبي.. قلت معارضا وبكل إصرار: "الأمر مفروغ منه ولسنا هنا لنناقشه من جديد.. وأرجوكم لا داعي لهدر المزيد من الوقت في جدال عقيم لقضية محسومة مسبقا". قال حسام فجأة: "أنت متسلط جدا ". صمت الجميع من المفاجأة.. وأنا نظرت إليه بتعجب.. حسبت أنها زلة لسان سيعتذر عليها لكنه أضاف وللعجب: "نحن أقرب إلى رغد منك وأحق بكفالتها.." أبو حسام ردع حسام بنظرة غاضبة.. والأخير سكت ثوان ثم وجه خطابه إلى رغد: "ما رأيك أنت يا رغد ؟ ألست تفضلين البقاء مع والدتي ؟؟" نظرنا جميعا نحو رغد التي أجابت بإخضاع نظرها نحو الأرض.. كأنها تؤيد هذا.. ماذا يا رغد ؟ أتريدين إحراجي أكثر مع أقاربك؟ ألم ننته كليا من موضوع إقامتك معي؟ هل غريتي رأيك الآن؟ خاطبتها سائلا وشاعرا بالخذلان منها: "ماذا يا رغد؟" فنظرت إلي وأجابت مضطربة: "كما ترى أنت.. وليد". الجميع نقلو بصرهم عنها وصبوا أنظارا حارة علي.. ويحكم! هل تعتقدون أنني أهدد الفتاة أو أجبرها على شيء؟ قلت طالبا منها التأكيد: "ألست ترغبين في متابعة الدراسة في الجامعة الأهلية؟" قالت مؤكدة: "بلى". اطمأن قلبي لردها لكن أم حسام قالت معترضة: "كلا... ستبقين معي .. أريد أن أرعاك بنفسي من الآن فصاعدا.. ولن يطمئن قلبي لسفرك على الإطلاق". وإذا بحسام يخاطبني قائلا فجأة: "لماذا لا تتنازل عن الوصاية؟" نظرت إليه نظرة مندهشا ثم رمقته بحدة وقلت: "أتنازل عنها لمن مثلا؟ لك أنت!؟" حسام غضب من تعقيبي الساخر ورد منفعلا: "تعرف أنني دون السن القانوني ولا يمكنني أن أكفل أحدا.. أنا أعني لوالدي فهو بمقام والدها وهو ابن عم والدتها وأمي خالتها ونحن أقرب إليها منك". عند هذا لم أتحمل.. اشتعلت نفسي غضبا وتصبب العرق من جبيني ورفعت يدي أمسحه فلمست جبينا ساخنا يكاد يتقد نارا.. نظرت نحو رغد وأظن نظرتي كانت قوية للدرجة التي اهتز فيها جسدها وتراجع للوراء.. زفرت زفرة قوية أخيرا كانت ساخنة ما يكفي لحرق أثاث الغرفة.. قلت أخيرا: "يمكنكم مناقشة أمر الوصاية هذا بعد موتي, ولكن طالما أنا حي فابنة عمي ستبقى تحت مسئوليتي أنا ما امتدت بي الحياة". ووقفت وتابعت : "علي الذهاب الآن.. شكرا على حسن الضيافة". والتفت إلى رغد وقلت: "رغد.. هلا رافقتني إلى البوابة؟" سرنا جنبا إلى جنب بخطى بطيئة إلى أن ابتعدنا عن مدخل المنزل وانتصف بنا الطريق إلى البوابة الخارجية لسور المنزل... حينها أذنت للساني بالنطق: "رغد". وتوقف صوت خطوات العكاز.. التفت إلى رغد فرأيتها وقد توقفت عن المشي وكأنها في انتظار شيء مهم... قلت: "هل كانت هذه فكرتك ؟" رغد قالت بسرعة: "لا.. لا.. إنها خالتي, هي التي تريد مني البقاء... على الأقل فترة نقاهتي". قلت: "والوصاية؟" أجابت: "حسام يتحدث بسخافة أحيانا". كنت أنظر إليها بتشكك.. فهي لطالما طلبت مني تركها مع أقاربها, وخشيت أن تكون هي وراء كل هذا... لما قرأت الشك في عيني قالت مدافعة: "صدقني لست أنا". قلت: "اسمعي يا رغد.. عليك أن تفهمي أقاربك أن موضوع الوصاية هذا مفروغ منه تماما ولا أقبل منهم أن يفتحوه أمامي مجددا أبدا.. يجب أن تخبريهم أن يتوقفوا عن محاولاتهم المزعجة وإلا فأنني سوف لن آتي بك لزيارتهم مجددا". بدا التوتر على وجه رغد فقلت: "أنا أعني ما أقول.." ثم استدرت لأتابع طريقي إلى البوابة.. بعد ثوان لحقت رغد بي وسمعتها تناديني وتقول: "وليد... لا تغضب...!" التفت إليها فوجدت عينيها متعلقتين بي... كررت: "أرجوك.. لا تغضب منهم ". وأضافت: "أنا اعتذر لك عن أي كلمة مزعجة وجهت إليك هذه الليلة... سامحهم أرجوك". أراحني الشعور بأن رغد... تكن لي التقدير وتكترث لمشاعري... وتود تطييب خاطري بعد الكلام الذي تلقيته من أهلها... قلت: "هذه المرة سأبتلع كل شيء.. لكن عليك أن تفهميهم جيدا بأنني فيما لو تكرر هذا مرة أخرى, سأتخذ موقفا مختلفا ". أطرقت رغد برأسها إذعانا. أخيرا قلت: "والآن.. هل تأمرين بشء قبل ذهابي؟" رأيت وجه رغد يبتسم فيما قسمات القلق مرسومة على جبينها وهي تقول: "انتبه لنفسك". أنتبه لنفسي؟! إنها أول مرة تقولها لي وبهذه الطريقة ومعالم القلق والاهتمام ناطقة على وجهها! شعرت بدغدغة لطيفة تسري في جسدي لم تكن لتتناسب مع الغضب الذي أضمره!.. ابتسمت لها وفارقتها بارتياح.. ذهبت إلى شقة سامر والذي كان قد أعطاني مفتاحا احتياطيا لشقته بطلب مني.. حتى يتسنى لي الدخول والخروج بحرية, خصوصا وأنه كان يقضي ساعات طويلة في العمل.. دخلت الشقة واتجهت إلى غرفة النوم.. وهناك... رأيت شقيقي يجلس على السرير وفي يده علبة ما..ووجهه متجهم.. ويظهر عليه الشرود... حتى أنه لم ينتبه لدخولي.. "سامر" بمجرد أن ناديته ارتبك وأغلق العلبة بسرعة وهب واقفا وهو يقول: "وليد.. أأأأهلا". وسار نحو الخزانة وأدخل العلبة في أحد الأدراج, الدرج الذي وجدته مقفلا ذلك اليوم, وأقفل الدرج بالمفتاح وهو يقول: "لم أنتبه لقدومك". دققت النظر في وجهه فوجدت آثار الدموع تبلل رموشه.. شعرت بانقباض في قلبي وسألت بقلق: "أهناك شيء ؟؟" سامر تظاهر بالعفوية وابتسم وقال: "لا. لا شيء". لكنني لم أشتت نظري عنه فقال: "تذكرت والدينا". وظهر الخشوع والحزن على وجهه.. لم أصدق ما ادّعاه ولكنني لم أشأ إحراج الموقف فقلت: "رحمهما الله". وتصرفت بشكل طبيعي رغم القلق الذي يعتصر أحشائي.. لا أعرف ما الشيء الذي كان سامر يخفيه في الدرج ويحذر أن أراه.. لكني أتوقع وتقريبا شبه متأكد من أنه ذو علاقة برغد... والفضول تملكني بشدة... وانتهزت الفترة التي ذهب أخي فيها للاستحمام بعد ذلك وتسللت يدي نحو الدرج.. كان المفتاح في ثقب الدرج... فتحته بحذر واستخرجت العلبة الكبيرة الثقيلة التي كانت تحتل معظم الدرج... وضعت العلبة على السرير وهممت بفتحها, غير أن ضميري تغلب على فضولي في آخر لحظة... وإذا بي أعيد العلبة إلى الدرج وأقفله بالمفتاح وأغلق باب الخزانة كما كان... لحظتها أثنيت على نفسي أمانتي.. وشكرت ضميري على تأنيبه... وبت راضيا عن نفسي ومسرورا بها... لكنني فيما بعد.. ندمت أشد الندم.. على أنني لم أكتشف وقتها السر الذي كان شقيقي يخبئه.. رغم أنه كان طائعا بين يدي... رغد بالأمس أبلغني وليد عن موعد سفرنا وهو مساء اليوم, واتصل بي قبل ساعة ليتأكد من استعدادي. وقد أبلغني أنه في طريقه للمزرعة وسوف يكون هنا عصرا. وفيما أنا مع ابنتي خالتي نجمع حاجياتي في حقيبتي رن هاتفي مرة أخرى... نهلة ونظرت بمكر وقالت: "الوصي الطويل!" وسارة ضحكت -كعادتها- بصوت مرتفع... كان هاتفي موضوعا على المنضدة بجوار المرآة. وكنت أجلس على السرير أطوي ملابسي.. قلت مخاطبة نهلة: "ناوليني الهاتف". فأسرعت سارة والتقطته من على المنضدة وأقبلت نحوي.. نهلة قالت لإغاضتي: "دعيها تسير إليه بنفسها يا سارة!" سارة غيرت اتجاه سيرها وعادت أدراجها إلى المنضدة.. قلت بحنق: "هذا ليس وقته... هاتي الهاتف سارة". فقالت نهلة وهي تضحك بخبث: "تعالي وخذيه بنفسك". هتفت: "تبا لكما". ورميتهما ببعض ملابسي وأمسكت بعكازي وهببت لأقف, حينها أخذت نهلة الهاتف ورمته نحوي على السرير وأطلقت أختها القهقهات وهما تغادران الغرفة... مددت يدي بسرعة والتقطت الهاتف.. كان رقم هاتف المزرعة, ذلك الذي ظهر على شاشة هاتفي... "مرحبا". "مرحبا يا رغد.. كيف حالك؟" أتدرون من المتصل؟ إنها الشقراء! ماذا تريدين مني؟؟ وكيف تملكين الجرأة على الاتصال بي وكأننا من الأصحاب؟؟ قلت بجفاء: "نعم؟ ماذا تريدين؟" قالت: "حسنا.. خشيت ألا تجيبي على اتصالي.." قلت: "ظننته وليد... لكن ماذا هناك؟" قالت: "إنه لم يصل بعد... هل أخبرك بأنه.. حجز للسفر مساءً؟" قلت: "نعم". الشقراء صمتت قليلا ثم سألت: "رغد..هل فكرت في الموضوع الذي حدثتك عنه؟" تعني الكلام الذي سممت قلبي بسماعه ذلك الصباح في المزرعة.. والذي بذلت قصاري جهدي للتهرب منه.. أجبت: "لا أريد أن أفكر به". قالت: "لماذا؟" قلت بغضب: "لا يعجبني.. ولو سمحتي لا تعيدي فتح الموضوع ثانية". قالت: "يارغد لا بد من فتحه وأخذه بعين الاعتبار.. إنه ليس مجرد موضوع عابر بل فيه مستقبلنا وحياتنا ومصيرنا نحن الثلاثة". قلت وقد اشتد غيظي: " لا شأن لك بمستقبلي ومصيري أنا". قالت: "وماذا عن مستقبل وليد؟ وحياته؟ ومصير الدوامة من الشجار التي نحيطها به؟ ألا تفكرين فيه؟" قلت باندفاع: "وليد لن يتخلى عني تحت أية ظروف.. إنه بمقام أبي.. لن أبتعد عنه وإذا شءت أنت فابتعدي وأريحينا". صمتت الشقراء لبرهة ثم قالت: "إذن هذا هو قرارك؟؟" قلت بتحد: "نعم. هذا هو قراري". قالت وقد تجلى الألم والحزن في نبرة صوتها: "لم أتوقع أن تكوني أنانية لهذا الحد". ثم أضافت وقد اشتدت نبرتها: "لكن... وليد سيأتي الآن.. وسأخبره بما دار بيننا.. وعن قرارك.. وسأضعه أمام الأمر الواقع وأطلب منه أن يعين من منا سيختار ليصطحبها في السفر". وتوقفت برهة ثم أضافة: "وفي بقية العمر". وأقفلت السماعة فورا.. تسمرت على وضعي حقبة من الزمن... تدحرج فيها رأسي على محيط الغرفة.. ثم تهالك على السرير دائخا تصارعه كلمات أروى وتستل عقله اتلالا.. رفعت هاتفي أمام عيني.. أوشكت على الاتصال بوليد.. لكن أصابعي ارتجفت وحالت دون مقدرتي على الضغط على الأزرار.. حاولت أن أركز على شيء لكنني فشلت... أغمضت عيني ووضعت يدي اليسرى عليهما لأخفف من مقدار النور الذي بدا قويا يخترق جفوني مقبلا من مصباح السقف... "رغد!" سمعت صوتا يناديني.. أبعدت عيني ونظرت باتجاه مصدر الصوت الذي ولشدة تيهي لم أميزه.. ولولا أنها اقتربت مني كثيرا ربما لم أكن لأميزها.. كانت نهلة.. "ما بك!؟" سألتني بقلق وهي تراني ملقية بثقل رأسي على السرير في ذلك الوضع.. جلست ومددت يدي نحوها فأقبلت إلي وشملتني في حضنها وهي تقول: "ماذا جرى لك بحق السماء؟؟ ماذا قال لك ذلك المتعجرف اللئيم؟" هززت رأسي في حضنها وأنا أطلق شهقاتي: "ليس هو يا نهلة.. إنها هي.. هي". سألت بتوتر وقد فهمت قصدي: "ماذا أرادت منك؟" انهرت وأنا أقول: "تريد أن تحرمني من وليد.. ستأخذه مني يا نهلة... ستأخذه مني". أبعدت رأسي عن حضنها وقلت بانهيار: "سأموت إن تخلى عني.. لا أستطيع العيش بدونه.. إنه وليد قلبي أنا.. يخصني أنا.. إنه لي أنا... أنا.. أنا..." وليد كنت قد حدثت سامر عن أمر عودتي إلى الجنوب مع رغد.. وألححت عليه كي يرافقنا.. وأعدت عرض فرصة العمل الكبيرة في مصنع أروى.. سامر كان في السابق يرفض الفكرة أما الآن فقد قبل العرض.. وطلب مهلة كي يرتب أموره.. اتفقنا على أن أمهله بضعة أيام أخرى لينجز مهامه ويستعد للسفر... وضع سامر ووحدته في هذه المدينة وبعده عني لم يكن يروق لي منذ البداية.. ولكن الظروف لم تساعد على لم شملنا في بيت واحد كما هم الأخوة الأشقاء.. ودعته وذهبت إلى المزرعة لأقابل أروى وأهلها, وأقضي معهم بعض الوقت قبل السفر.. في المزرعة طبعا كانت تنتظرني مشكلتي الكبرى.. مع أروى... كنا أنا وهي نجلس بين الأشجار.. بعيدا عن مرأى أو مسمع أي إنسان.. نتحدث بشأن كلامها الجنوني في لقائنا الفائت.. اعتقدت إنه كان انفعالا مؤقتا, غير أنني وجدتها على نفس الموقف هذا اليوم وقد تجلى الإصرار الشديد عليها.. أروى كانت على غير سجيتها... غاية في التوتر والعصبية... "اسمعني يا وليد.. لا أريد أن نضيع الوقت والجهد في محاولة تغيير المواقف.. كل ما عليك اتخاذه الآن وبشكل حاسم هو القرار المصيري.. إما أن تأخذني أنا معك, وللأبد... أو تأخذها هي معك.. وللأبد". كنت قد استنفذت طاقتي في محاولة إقناعها بالتخلي عن حلها الجنوني هذا.. لكن دون جدوى.. قلت منفعلا: "الهراء الذي تتفوهين به لن أحمله محمل الجد.. أجد نفسي مضطرا لأن أتركك هنا مؤقتا وأعود معها هي إلى أن تنتهي موجة الجنون الذي أودت بعقلك... بعدها نناقش بعقل كل أمورنا". أروى هتفت: "لا تتهرب يا وليد.. أنا أحدثك بكل جدية... إما أنا أو هي, ولا خيار ثالث مطلقا". الاصرار كان يندلع كالنار من عينيها.. والنار لم تحرق عيني ورأسي فقط.. بل وأشعلت الآلام التي لم بالكاد هدأت قليلا في معدتي.. شهقت شهيقا طويلا لأملأ صدري بالهواء وأضغط على معدتي... ثم استدرت للوراء وخطوت مبتعدا عنها.. "وليد إلى أين؟" لم أرد.. وخطوت خطوة أخرى فقالت: "هل أفهم من هذا.. أنك قررت اختيارها هي؟" توقفت لحظة ولم أستجب.. ثم خطوت خطوتين أخريين فسمعتها تقول بانفعال: "إذا قررت الذهاب إليها فلا تفكر بالعودة إلي ثانية". عند هذا الحد واستدرت إليها مذهولا وهتفت بغضب: "ماذا تعنين؟ أروى... أخرجي من رأسي في هذه الساعة.. أكاد أنفجر.. بالله عليك ماذا تعنين بهذا الجنون؟؟" أروى حدقت برهة بي ثم قالت: "ننفصل". فجأة... أصيب رأسي بارتجاج حاد إثر هذه الكلمة الفظيعة وانفغر فوهي وانفتحت حدقتاي أوسعهما... ذهلت... صعقت... تصلبت في موضعي... غير مصدق!! نطقت وأنا لا أجرؤ على التفوه بالكلمة من شدة فظاعتها: " ماذا؟؟ تقولين ننـــ...ننـــــ... ماذا؟" أجابت أروى بكل ثقة: "ننفصل يا وليد". ولم يزدني برودها إلا ذهولا فوق ذهول... بقيت أحملق فيها لوقت ما كان أطوله.. ثم أخرجت عبارات عشوائية من لساني: "كيف تجرأت يا أروى؟ لا بد أنك بالفعل قد جننت...!... ماذا...؟؟ كيف أطاعك لسانك على التفوه بها ؟؟ تقولين.. ننفصل؟؟" صمتت أروى فسرت حتى صرت أمامها وقلت غير مصدق: "ننفصل يا أروى؟؟ هل قلت ننفصل؟" أروى قالت وقد تغير صوتها وجاء مبحوحا: "نعم.. فنحن.. لن نستطيع العيش.. أنا.. وأنت.. وابنة عمك.. سوية... لقد خيرتك.. وأنت من اختار التخلي عني من أجلها". مددت يدي إلى ذراعها وهززتها بقوة وصرخت: "أنا؟؟" وتابعت: "بل أنت يا أروى من قرر كل شيء بجنونك.. أنت من يرفض العودة معي.. تعرفين كم هي ظروفي حرجة هذه الفترة وعوضا عن حمل الهم معي تزيدين عاتقي أثقالا.. تريدين مني ترك رغد في بيت خالتها للأبد ؟؟ هذا المستحيل بعينه.. أنا لن أتخلى عن مسؤوليتي عن ابنة عمي هذه تحت أي ظروف ومهما كان". قالت أروى بغضب: "إذن تخل عني واحتفظ بابنة عمك المدللة الغالية... لأناية.. حبيبة قلبك التي لا تخجل من الاحتفاظ بصورتها تحت وسادتك". هنا.. فار التنور.. رفعت يدي وأوشكت على تسديد لكمة قوية إلى وجهه أروى, غير أنني توقفت عند آخر جزء من الثانية.. وتركت يدي معلقة في الهواء.. أروى صارت تحملق بي بذهول فائق.. وتحول لونها إلى الأصفر من شدة الفزع.. ولو كنت قد سددت ضربتي إلى وجهها لكنت قد فصلت فكها الأسفل عن رأسها كليا.. تراجعت بقبضتي الثائرة والتفت يمينا فرأيت الشجرة التي نقف إلى جوارها تراقبنا بسلام.. وكامجنون ضربت أحد أغصانها بعنف فخر مكسورا على الأرض.. ابتعدت مسرعا عن أروى لئلا تنالها يدي ببطش شديد.. ذهبت أبحث عن العم إلياس فألفيته والخالة يجلسان عند مدخل المنزل يصنعان السلال السعفية ويتبادلان كرة الحديث.. حين رأياني رحبا بي ودعياني للجلوس معهما.. ولكنهما سرعان ما رأيا الشرر يتطاير من عيني والعرق يتصبب من جبيني.. العم إلياس وقف وقال قلقا: "ما الخطب يا بني؟؟" هتفت بغضب: "عمي أريد أن أحدثك عن شيء". وقد خرج صوتي مرعبا ما جعل الخالة ترفع يدها إلى صدرها... قال العم: "اهدأ يا بني.. رجاء". قلت منفعلا: "يجب أن تتدخل وتفعل شيئا يوقف جنون ابنة أختك هذا". الخالة وقفت بدورها هي الأخرى وقالت: "ماذا يحصل؟؟" العم إلياس خاطبني: "اجلس يا بني هداك الله.. تبدو منفعلا جدا". والتفت إلى الخالة وطلب منها: "احضري بعض الماء يا أم أروى باركك الله". الخالة دخلت إلى المنزل على مضض لتحضر الماء, أما العم إلياس فحملق بي متسائلا وأمسك بذراعي محاولا تهدئتي, غير أنني سحبت ذراعي وشددت على قبضتي وقلت: "عمي... أروى.. فقدت عقلها.. تهددني.. إما أن أترك ابنة عمي في بيت خالتها للأبد.. أو.." ولم أقو على إتمام الجملة.. فسأل العم: "أو ماذا؟" قلت أخيرا منفعلا: "أو ننفصل يا عم". العم ذهل ونظر نحوي بدهشة فائقة.. فقلت: "يجب أن تكلمها... إنها مجنونة منذ عرفت أنني قتلت من كان ابن عمها..والآن تريد مني إخلاء مسؤوليتي عن مكفولتي اليتيمة.. التي هي أمانة في عنقي إلى يوم الدين.. وإلا سوف لن تستمر معي بعد الأن". العم كان ينظر إلي بمنتهى الدهشة التي طغت على أي قدرة اه على التعبير... قلت بحدة بالغة: "تتعامل مع رباطي بها أو برغد وكأنهما لعبة يمكن تغييرها إن لزم الأمر... أفهمها يا عم.. أنه لا يحق لها وضعي بين خيارين عابثين كهذين.. ولا الاستهانة برباطنا بهذا الشكل المخزي..وإنني لست من الاستهتار لدرجة أن.. أرمي بوصاية ابنة عمي على غيري.. أو أنفصل عن زوجتي.. فقط لأنهما لا تطيقان التعايش مع بعضهما البعض". واستدرت منصرفا قبل أن أعطي العم فرصة للاستيعاب... أروى مازلت واقفة عند الشجرة... أنظر إلى الغصن المرمي على الأرض... الذي كسره وليد عن جذعها قبل قليل... كنت غارقة في الدموع... لا أعرف ما أفعل أو كيف أفكر... وقد انصرف وليد غاضبا جدا مني... وسيسافر وموضوعي معه معلق وشديد الالتهاب... أحسست بحركة من حولي فنظرت في الاتجاه الذي سلكه وليد مغادرا وكلي لهفة أن يكون عاد... رأيت أمي وخالي يقبلان نحوي يكسو وجهيهما القلق الشديد... كانت أمي تمسك بكأس مليء بالماء في يدها وقطرات منه تنسكب مع خطواتها المضطربة. قبل أن تصبح في مواجهتي سبقها سؤالها: "ماذا حصل؟؟ أروى ماذا حصل مع وليد ؟؟" نظرت من بين دموعي إلى عينيها وعيني خالي... وقلت: "لقد ... طلبت منه... أن... ينفصل عني". وأجهشت بالبكاء واستدرت إلى الشجرة التي ضربها وليد. لم أكن أسمع غير صوت بكائي إلى أن سمعت صوت خالي يهتف: " ليندا... تماسكي". استدرت إلى أمي فرأيت الكأس يقع من يدها ورأيتها تضغط على صدرها وتتنفس بصعوبة... ثم تترنح وتخر على الأرض. وليد استقبلتني ابنة خالة رغد الصغرى وقادتني إلى مدخل المجلس الجانبي.. لم يكن حسام ولا أبوه موجودين ساعة وصولي.. وعند المدخل وجدت أم حسام تقف في انتظارنا... كنت أعرف أنها غير راضية عن سفر رغد وخشيت أن تعود لفتح موضوع اعتراضها في هذه الساعة... والصداع مشتد على رأسي بعد شجاري مع أروى, ولا ينقصني الآن أي جدال... وبعد تبادل التحية دخلنا إلى الداخل واتخذنا مجالسنا وأخبرتني أن أبا حسام في الطريق إلينا.. ثم سألتها: "هل رغد مستعدة؟" أجابت وفي نبرتها شيء من عدم الرضا: "نعم.جمعت أشياءها بمساعدة ابنتيّ.. إنها بالكاد تتحرك.. يشق السفر عليها مع هذه الإصابة". أرجوك! لا تفتحي الموضوع ثانية الآن! قلت لئلا أدع لها الفرصة للبدء من جديد: "إذن هلا أخبرتها بوصولي من فضلك؟ لا يزال أمامنا مشوار طويل". الفتاة الصغيرة خرجت من الغرفة فورا... ذاهبة لاستدعاء رغد.. أما أم حسام فسألت: "وأين زوجتك ووالدتها ؟" استغربت السؤال وأجبت: "في المزرعة". قالت مستغربة: "حسبت أنك قادم من هناك". قلت: "نعم, كنت هناك". سألت باستغراب أشد: "ولمَ لم تحضرا معك مباشرة؟" قلت مستغربا: "ولمَ؟؟" بدا القلق على وجه أم حسام مع بعض الحيرة ثم قالت: "ألن تصطحبوهما معكما؟؟" قلت: "كلا.. إنهما لن تسافرا معنا الآن". اتسعت حدقتا أم حسام واكفهرت ملامحها وقالت: "لن تسافرا معكما ؟؟ ماذا تقصد يا وليد ؟؟" قلت موضحا: "لن تسافرا حاليا.. لكن.. ستلحقان بنا بعد فترة.. تودان البقاء في المزرعة أياما أخرى". تعبيرات وجه أم حسام ازدادت توترا واضطرابا وقالت: "و... رغد ؟؟" فهمت منها إنها قلقة بشأن من سيعتني بالصغيرة وهي مصابة هكذا.. فقلت: "لدينا خادمة لتساعدها". أم حسام قالت فجأة وبانفعال مهول: "أتريد القول.. إنك.. ستسافر مع الفتاة.. بمفردكما؟" ألجم السؤال لساني.. وفي ذات اللحظة رأيت أم حسام تهب واقفة وقد تناثر الشرر من حولها وتقول بصوت حاد: "هل جننت يا وليد ؟ ؟ تريد أن تأخذ الفتاة بمفردها إلى الجنوب ؟" وقفت تباعا وقد أصابني الذهول من أمر الخالة وأردت أن أتحدث غير أن كلامها اخترق المسافة الفاصلة بيننا بسرعة البرق وزلزلة الرعد... "كنت أظن أن خطيبتك ووالدتها سترافقانكما كما في السابق..." تدخلت بسرعة: "ستلحقان بنا عما قريب.. وكذلك سامر.. لا يمكنني ترك العمل أكثر من هذا". ردت أم حسام: "وتريد مني أن أترك ابنتي تسافر وتعيش هناك لوحدها معك؟؟ هل فقدت صوابك يا وليد؟؟" ارتبكت واضطربت كل ذرات كياني.. تحول لوني إلى الأحمر وتفجرت قطرات العرق على جسمي كله.. حاولت النطق: "خالتي". غير أنها قاطعتني بحدة وقالت صارخة في وجهي: "كفى.. هذا ما كان ينقصني... لم يبقى إلا أن نترك ابنتنا تقيم بمفردها مع رجل غريب.. من تظن نفسك يا وليد؟؟ كيف تجرؤ؟" تسمرت على وضعي مذهولا.. مكتوم النفس طائر الفؤاد محملق العينين... لا أكاد أفهم ما أسمع.. "خــــالـــ... ما.. ماذا... رجل غريب؟؟ أنا؟" صاحت أم حسام بوجهي: "نعم رجل غريب.. أتظن أن الوصاية على الفتاة تجعلك أباها حقا؟؟ أفق يا هذا... أم لأنها فتاة يتيمة وحيدة تظن أنه بإمكانك التصرف بشأنها كما يحلو لك وأن أحدا لن يوقفك عند حدودك؟؟ اصح يا وليد... يا محترم". تلقيت الكلام كصفعة قوية نارية على وجهي... النار كانت تشتعل في عيني أم حسام وفي صدرها النافث بالصراخ.. حملقت بها مذهولا.. غير مصدق لما أسمع.. ما الذي تقوله هذه المرأة؟؟ كان صدري لا يزال يحبس النفس الأخير الذي التقطته وسط النار.. أطلقت نفسي باندفاع وقوة وهتفت: "ما الذي تقولينه يا خالة؟" الغضب كان يتطاير من عينيها ومن عيني أنا تفجر بركان ثائر مدمر... "ما الذي تظنينه بي؟؟ إنني أنا وليد.. ابن شاكر وندى... ولست إنتاج وتربية شوارع.. أنا تقولين لي هذا الكلام؟؟ لقد تربيت بين أبناءك وتحت ناظريك.. وكأنك لا تعرفين من أكون؟؟ أم لأنني دخلت السجن بضع سنين تظنين أنني خرجت منه فاسقا قذرا لا يعرف حدوده ويتجرأ على حرمات الغير...؟؟ إنها ابنة عمي.. دمي وحرمتي أنا.. والأمانة العظمى التي في عنقي.. كيف تجرئين على الظن بي هكذا؟؟ لن أغفر لك هذه الإهانة.. أبدا". وسرت مبتعدا عنها متجها إلى الباب... وفي طريقي اصطدمت بطاولة فما كان مني إلا أن رفعتها وقلبتها رأسا على عقب ورميت بها بقوة بعيدا... فتحت الباب بقوة وصفعته بالجدار حتى كدت أكسرهما سوية.. ثم خرجت بسرعة مغادر المنزل... صادفت حسام عند البوابة... فدفعته بعيدا عن طريقي.. ثم ركبت سيارتي وانطلقت بأقصى سرعة.. نحو المطار.. يتبع
|
||
|
|
|
|
|
المشاركة رقم : 243 (permalink) | |
|
كووووول
|
||
|
|
|
|
|
المشاركة رقم : 244 (permalink) | |
كووووووووووووووووووووول مشكوور ميغسييي
|
||
|
|
|
|
|
المشاركة رقم : 245 (permalink) | |
|
رغد ونحن نسير نحو غرفة المجلس سمعنا صوت انغلاق باب قوي.. اقشعرت له الجدران والثريات! ابنتا عمي كانتا تتعاونان في حمل حقيبة سفري وأنا أسير بعكازي حاملة حقيبة يدي على كتفي إلى أن وصلنا إلى الباب.. الاثنتان عانقتاني وودعتاني وابتعدتا.. طرقت الباب الداخلي لغرفة المجلس بهدوء ثم فتحته وأطللت بعيني في شوق لرؤية وليد قلبي.. مسحت الغرفة بعيني وطولا وعرضا وارتفاعا.. ولم أعثر على وليد! لكني رأيت إحدى الطاولات مقلوبة والتحف الزجاجية مكسورة على الأرض! ورأيت خالتي تقف عند الباب الخارجي للمجلس, ثم رأيت حسام يدخل وهو يسأل: "ماذا حدث؟؟" وسمعت خالتي تسأله: "هل خرج؟" قال حسام: "ضربني بيده وخرج! ماذا حل بهذا الرجل بحق السماء؟" قالت خالتي وهي تغلق الباب وتقفله بعد دخول حسام: "لا أعرف ممن ورث هذا المتعجرف غلظته! لا ياسر ولا شاكر رحمهما الله ولا سامر يحفظه الله فيهم شيء من الفظاظة.. بل هم في منتهى التهذيب واللطف والهدوء.. أما هذا.. أعوذ بالله! متوحش وأخرق... انظر ماذا فعل؟" وهي تشير إلى الأرض... فتحت أنا الباب وتقدمت إلى الداخل في قلق وتساؤل... وأخذت أحدق في خالتي وأسأل: "ماذا حدث؟" وكان وجه خالتي يتقد احمرارا فرمقتني بنظرة صامتة ثم انحنت إلى الأرض ترفع قطع الزهرية المكسورة. عدت وسألت: "أين وليد؟" أجابت وهي لا تنظر إلي: "غادر". ماذا؟؟ غادر؟؟ ماذا تعنين بغادر؟؟ سألتها: "غادر؟؟" قالت بغضب: "نعم غادر.. عسى ألا يعود". هتفت بقوة: "أعوذ بالله... لماذا ياخالتي؟؟.. ماذا حصل؟؟" قالت وهي ترفع نظرها إلي وتتكلم بعصبية: "إنه مجنون... لا يعرف حدود نفسه.. يظننا سنتركه يتصرف كيفما يريد.. متسلط فظ وعنيف.. من أين أتى بكل هذه العجرفة والوحشية؟" حسام عقب مباشرة: "من السجن قطعا". اشتططت غضبا وانفجرت بشدة: "لا تتحدثا عن وليد هكذا... لا أسمح لكما.." ثم تقدمت نحوهما وقلت: "أخبراني ماذا حصل؟؟" قال حسام: "ألا ترين؟" مشيرا للطاولة المقلوبة على الأرض.. والزجاج المتناثر حولها... قلت: "وليد فعل هذا؟" ووجهت خطابي لخالتي التي لا تزال جاثية على الأرض تلملم ما تبعثر.. "لكن لماذا؟؟ ماذا حدث؟؟ هل تشاجرت معه؟" خالتي وضعت ما بيدها جانبا ووقفت وقالت: "نعم تشاجرت معه.. وغضب وصرخ في وجهي وقلب الدنيا رأسا على عقب وخرج ثائرا كالبركان". قلت بسرعة: "ماذا قلت له؟ هل أهنته ثانية؟؟ خالتي..!! إلى أين ذهب الآن؟" ردت بحدة: "إلى حيثما ذهب... بلا رجعة". هتفت منفعلة: "بعد ألف شر... خالتي لا تقولي هذا ثانية يكفي أرجوك". وعمدت إلى حقيبة يدي واستخرجت هاتفي واتصلت بهاتف وليد.. كان الهلع ينخر رأسي بشراسة وما إن رن الهاتف حتى كان قد أتى على قواي الذهنية كاملة... الهاتف رن مرة ثم مرة أخرى ثم انقطع الاتصال.. عاودت الاتصال فوجدت الهاتف مغلقا.. كررت الاتصال عدة مرات.. الهاتف ظل مغلقا.. قلت أخاطب خالتي: "أغلق هاتفه". ثم سرت نحو هاتف المنزل الموضوع على منضدة في الجوار واتصلت برقم وليد مرات أخرى.. دون جدوى.. قلت بعصبية: "الهاتف مغلق يا خالتي ماذا قلت له؟" خالتي تنهدت ثم قالت: "اعترضت على سفرك معه". صدمت.. حملقت فيها مندهشة وسألت: "ماذا؟؟ لكن لماذا؟؟ تعرفين أنه آتٍ لأخذي فماذا تغير؟" قالت خالتي وقد عاد الانفعال على وجهها: "لن أسمح له بأخذك معه يا رغد... ستبقين معي وتحت عيني.. سأضع حدا لجنون هذا المتسلط". تركتني خالتي في إعصار الحيرة والهلع واشتغلت بتنظيف وترتيب الطاولة وما حولها متجاهلة تساؤلاتي... مما زادني يقينا فوق يقين بأن ما حصل كان أمرا خطيرا... "خالتي أرجوك أفهميني ماحدث؟؟ ماذا فعل؟ ماذا قلت له؟؟ بالله عليك أخبريني". وهذه المرة حسام ساندني وقال: "أخبرينا بما حدث يا أمي؟" خالتي قالت أخيرا: "تصورا.. كان يريد أخذ رغد بمفردها إلى بيته! دون خطيبته ولا والدتها..! يظن أن الوصاية كافية لتجعله مثل أبيها.. يقيم معها بمفرده أينما يريد". هتف حسام مستنكرا: "ماذا ماذا؟؟ يقيم معها بمفرده هكذا بكل بساطة؟؟ يا سلام! من يظن ذلك المعتوه نفسه ؟؟" خالتي قالت: "وبكل جرأة يخبرني بأن خطيبته لن تسافر معه.. بلا حياء ولا لياقة.. ولما اعترضت ثارت ثائرته وزلزل المنزل.. وقلب الطاولة بالتحف... المجنون!" تسمرت في مكاني مصعوقة بما أسمع.. ثم قلت: "لكن.. لكن.. إنه.. إنه الوصي علي". قالت خالتي بغضب: "الوصي عليك شيء وأن يقيم معك بمفردكما في بيته شيء آخر..." قلت مذهولة: "خالتي!! إنه ابن عمي". ردت مقاطعة: "وحتى لو كان ابني... مجنونة أنا كي أدعك تقيمين بمفردك مع رجل غريب ؟ حتى لو كان حسام أو أبا حسام.. هذا ما كان ينقصنا. قلت وأنا في ذهولي: "ألا... تثقين به؟" ردت: "أثق بمن؟؟ بهذا؟؟" وهي تشير إلى موضع الطاولة... ثم أضافت: "المتوحش المتعجرف خريج السجون؟؟" عندها صرخت من أعماق قلبي: "يكفي... يكفي... لا تتحدثي عنه هكذا... لا أسمح لكم بإهانته... لا أقبل أن تصفوه بهذا... أنتم لا تعرفون شيئا..." والتقطت السماعة واتصلت من جديد وللأسف كان هاتف وليد مغلقا... أعدت الاتصال مرة ومرتين ومئة.. والهاتف لا يزال مغلقا... ياإلهي.. وليد قلبي غاضب ولا يريد التحدث معي؟؟ نظرت إلى الساعة.. الوقت يمر ومن المفترض أن نكون في الطريق إلى المطار... اتصلت بهاتف سامر ولما رد علي قلت باضطراب: "هل وليد معك أو اتصل بك؟؟" استغرب سامر السؤال فسألني: "لا! غادر منذ الظهيرة... أليس في المزرعة؟؟" قلت بتوتر: "كان هنا في بيت خالتي ليصطحبني إلى المطار, لكنه غادر من دوني.. أتصل به ولكنه مغلق هاتفه.. أرجوك حاول التصال به وبالمزرعة واطلب منه مهاتفتي فورا..." سألني وقد تجلى القلق في نبرته: "هل حدث شيء يا رغد ؟؟" نظرت نحو خالتي وأجبت: "تشاجر مع خالتي.. لكن أرجوك قل له أن يتصل للضرورة". صمت سامر لحظة ثم قال: "حسنا". وأنهيت المكالمة وبقيت جالسة على الجمر المتقد أنتظر اتصال سامر, وهاتف المنزل وهاتفي المحمول كلاهما في حظني... فيما عيناي محملقتان في ساعة يدي... مرت الدقائق تلحق بعضها بعضا... والهاتفان لا يرنان... لم أطق صبرا حاولت الاتصال بوليد دون جدوى واتصلت بسامر فقال إنه لم يجده في المزرعة وأن هاتفه المحمول مغلق طوال الوقت... في هذه اللحظة حضر زوج خالتي وعلم بما حصل وبدوره صار يحاول الاتصال بوليد عبر هاتفه بلا فائدة... مضى الوقت.. ولا من خبر عن وليد.. نبضات قلبي آخذة في التباطؤ.. أطرافي ترتجف خوفا وقلقا.. أنظاري متمركزة على الهاتفين وعلى الساعة.. والآن لم تعدعيناي بقادرتين على الرؤية... الضباب كثيف.. لا بل هي قطرات الندى.. لا بل الدموع... تريد الانطلاق من محجري... وبعد ما يفوق الساعة... رن هاتفي المحمول... نظرت إلى الشاشة فرأيت اسم سامر... أجبت بسرعة: "نعم سامر هل كلمته؟؟" قال: "كلا.. إنني الآن عند باب المنزل". "المنزل؟" "أعني منزل خالتك... هل حسام هناك؟" وطلبت من حسام الذهاب لاستقبال سامر... غادرت خالتي المجلس وعاد حسام مع سامر... والأخير بدأ التحية والسؤال عن الأحوال ثم سألني مباشرة: "ماذا حدث؟؟" قلت بشكل غير مرتب: "خرج غاضبا... إنها خالتي... إنه موعد إقلاع الطائرة... هل سافر بدوني؟؟" رآى سامر اضطرابي فحاول تهدئتي ثم قال: "لن يفعل ذلك... لكن أخبريني ما الذي حدث بالضبط؟" قلت منفعلة: "خالتي تشاجرت معه... إنها يقسون عليه ولا يحترمونه ولا يثقون به". أبو حسام قال مدافعا: "ليس الأمر كذلك لا سمح الله.. أنه ابننا مثل حسام ومثلك يا سامر ولكن أم حسام جن جنونها مذ رأت الفتاة بالعكاز والجبيرة... تعرف كم تحب ابنة أختها وتقلق عليها ولا تريدها أن تبتعد عنها ". قلت بغضب: "لكن لا ذنب لوليد فيما حصل لي... لماذا تنظرون إليه هكذا ؟؟ إنه يعتني بي جيدا ويعاملني بكل احترام وحنان وأدب... وأنا لا أسمح...لا أسمح.." وأخذت شهيقا باكيا ثم زفرت نفسي مع دموعي: "لا أسمح لأحد بأن يهينه... ولا أقبل بأن ينعته أحد بالمجرم... أنتم كلكم قساة... كلكم بلا مشاعر... كلكم ظالمون". انخرطت في بكاء لم أبك مثله أمام أحد مسبقا... غير نهلة... الثلاثة... سامر وحسام وأبوه التزموا الصمت للدقائق الأولى... ثم تحدث سامر مخاطبا الآخرين: "بعد إذنكما... هل لي بحديث خاص مع ابنة عمي؟" وشعرت بهما يغادران... ثم شعرت بسامر يقترب مني وسمعته يناديني... مسحت دموعي ونظرت إليه فقال: "أفهميني يا رغد... ما الذي يدور ها هنا؟؟" قلت مقاطعة: هل تعتقد أنه سافر؟" سامر قال: "لا. كيف سيسافر ويتركك؟" قلت: "إذن لماذا أقفل هاتفه؟؟ انظر إلى الساعة.. لا شك أن الطائرة قد أقلعت منذ فترة..." ولمعت في رأسي فكرة فقلت: "اتصل بالمطار وأسأل عنه". وأنا أراقب سامر وهو مشغول بطلب الرقم تلو الآخر... سمعته أخيرا يتحدث إلى الطرف الآخر باهتمام, ثم شكره وأغلق الهاتف... نظر إلي وعيناي متعلقتان به بلهفة... ثم قال: "يبدو... أنه سافر بالفعل يا رغد". "سافر؟!" قال سامر: "الموظف أكد لي أن اسم وليد شاكر جليل... أدرج مع قائمة أسماء المسافرين الذين ركبوا الطائرة المتجهة إلى الجنوب". نظرت إليه بتشتت... بضياع بعدم تركيز.. بعدم تصديق.. بانهيار.. "لا!" سامر كان ينظر إلي بقلق وخوف... قلت: "وأنا؟؟" لا زال سامر ينظر إلي.. والتعاطف ينبثق من نظراته... كررت: "وأنا؟؟ ماذا عني أنا؟" سامر قال: "وليد لن يفعل شيئا كهذا لسبب تافه... أخبريني ماذا حصل بالتفصيل يا رغد". قلت وأنا أنهار: "لا أعرف.. أخبروني بأنه وصل.. فأتيت إلى هنا ولم أجده.. رحل فجأة.. تشاجر مع خالتي في دقائق معدودة.. وغادر غاضبا.. خالتي أهانته.. لا أعرف ما قالت بالضبط لكنها عارضت سفري معه بدون الشقراء.. لا بد أنها رمته بألفظ قاسية.. إنها تكرهه ولا تثق به.. تعيّره بالمجرم.. وتنعته بالمتوحش وخريج سجون.. وكلمات جارحة ومهينة... آه يا إلهي.. وليد لا يستحق هذا.." وأخفيت وجهي خلف يدي اليسرى من مرارة الموقف.. وعصرت عيني دموعا شجية... أحسست بشيء يلامس يدي ففتحت عيني ورأيت منديلا تمده يد سامر نحوي.. "هوني عليك يا رغد". قال سامر مواسيا.. أخذت المنديل ومسحت دموعي ثم قلت: "ماذا أفعل الآن؟" قال سامر مطمئنا: "عندما يصل إلى المنزل سنهاتفه... لا بد أنه كان غاضبا... لكنه سيهدأ". قلت بلهفة: "هل تظن أنه سيعود؟" قال: "بل أنا على يقين من ذلك.. اطمئني.." ثم أطرق برأسه إلى الأرض وشرد قليلا... ثم قال: "لم أكن أعلم بأنهم يسيئون إلى أخي..." نظرت إليه فإذا بالاستياء البالغ يعشش على قسمات وجهه وإذا بكفيه ينقبضان بشدة غضبا... نظر إلي وألقى علي سؤالا: "أأنت من أخبرهم عن سجنه؟؟" أطرقت برأسي... وأومأت نفيا... وكانت نظرات الاتهام تشع في عينيه... وقبل أن أتكلم سمعنا صوت خالتي تلقي بالتحية وهي تطل علينا عند الباب... التفتنا إليها فإذا بها تقبل يتبعها حسام يحمل صينية أكواب الشاي... وبعد حوار سريع وسطحي سألت: "هل رد عليكم؟" قال سامر: "ليس بعد فهو في الطائرة الآن". قالت: "إذن فقد سافر". ثم أضافت: "رافقته السلامة". لم أحتمل ذلك.. هببت واقفة هامة بالانصراف... فإذا بسامر يهب واقفا هو الآخر ويستأذن للمغادرة... ناداه حسام: "والشاي؟؟" فرد مقتضبا: "في مناسبة أفضل". وغادر المكان... في الردهة... رأيت حقيبة سفري لا تزال واقفة قرب الباب.. تنتظرني.. أشحت بوجهي بعيدا عنها فاستقبلتني أعين ابنتي خالتي اللتين تقفان على بعد تراقبانني... وبعد عناق الأعين جاء دور عناق الأذرع والأحضان... وليد قلبي... سافر ليس فقط من دوني.. بل ودون وداعي.. ودون أن يكلمني.. ودون أن تقع عيناي عليه ولو لنظرة أخيرة.. سامر تسع ساعات وأنا أحاول الاتصال بشقيقي من حين لحين وبجميع الأرقام التي لدي دون نتيجة..أخذ القلق يتفاقم في صدري, خصوصا وأن رغد تتصل بي مرارا وتهول الأمر.. حتى أنها أقترحت علي مهاتفة صديقه سيف غير أنني عارضت الفكرة وطلبت منها الانتظار حتى صباح اليوم التالي. وفي الصباح اتصلت بهاتفه فوجدته لا يزال مغلقا, وبالمنزل فلم يجبني أحد, ثم بهواتفه المباشرة في مكتبه في مقر عمله, فأخبرت وبأنه قد اتصل بهم قبل فترة وأبلغهم عن عودته من السفر... على الأقل أعرف الآن أنه وصل إلى المدينة الساحلية بسلام.. اتصلت برغد وأخبرتها بالجديد وكنت أظن أنها سترتاح للخبر غير أنها انزعجت وحزنت كثيرا... كان أخي قد قضى في شقتي عدة أيام وقد كانت أياما جميلة أنعشت في صدري الذكريات الماضية التي لن تعود.. الجميلة والمؤلمة معا.. وكان أشدها إيلاما هي ذكريات والدينا رحمهما الله... لم تمض سنة بعد على مصرعهما.. والنار لا تزال تتأجج في صدري.. ولن تخمد أبدا.. وهو السبب الأول الذي كان يمنعني من العودة إلى المدينة الساحلية والعيش في بيتنا القديم المليء بالذكريات.. مع شقيقي الذي ما فتىء يطلب مني هذا.. أما الثاني فهو بلا شك رغد... وفي هذه المرة ألح علي شقيقي للسفر معه وأبلغني بأن خطيبته لن ترافقه وبأنه لا يستطيع ترك رغد في بيت خالتها فهي بحاجة لمتابعة العلاج وكذلك الدراسة.. وقد خططت جديا للحاق به عما قريب.. خصوصا وأنا أرى أنه من الأفضل لي الابتعاد عن هذه المدينة لبعض الوقت.. أثناء وجودي في مقر عملي في المدينة التجارية عاودت الاتصال بهاتف شقيقي وللمفاجأة كان مفتوحا. رن عدة مرات قبل أن يجيب وليد أخيرا: "السلام عليكم". "مرحبا سامر... وعليكم السلام ورحمة الله". وكان صوته منهكا: "كيف حالك؟ وحمدا لله على سلامة الوصول". "سلمك الله". يرد بجمل قصيرة وعلى عجل. سألته: "ما هذا يا وليد! ألف مرة أتصل بك وهاتفك مغلق؟" "نعم. لقد تركته مغلقا منذ الأمس". سألت: "أقلقتنا.. ماذا حصل؟ هل أنت بخير؟" "نعم.. نعم". قلت: "تبدو مشغولا". أجاب: "أجل.." قلت: "حسنا.. سأتصل لاحقا.. أرجوك لا تغلق الهاتف.." "حسنا". وانهينا المكالمة ومباشرة هاتفت رغد وأخبرتها فأبلغتني بأنها ستتصل فورا. بعد قليل اتصلت بي وأخبرتني بأن وليد لا يجيب. أبلغتها بأنه مشغول واقترحت عليها الاتصال بعد ساعة أو أكثر.. واتصلت بي بعد ساعة ثم بعد ساعة أخرى تخبرني بأنها كلما اتصلت بهاتف وليد وجدته مفتوحا ولكنه لا يجيب. على هذا النحو مر ذلك النهار وفي الليل اتصلت به ودار بيننا حديث قصير امتنع فيه وليد عن ذكر ما حصل يوم أمس. أظهر لامبالاة غريبة عندما حدثته عن رغد. باختصار.. شقيقي كان غاضبا جدا من عائلة الخالة أم حسام بما فيهم رغد ولا يرغب في الإتيان بذكر أي منهم.. على الاطلاق.. كان هذا غريبا لكن الأغرب.. أنه وبعد يومين بعث إلي بظرف عبر البريد الجوي الموثق... يحوي وثائق هامة... طلب مني الاحتفاظ بها... وأخبرني بأنه مسافر إلى خارج البلاد للاستجمام. الظرف كان يحوي تقريرا طبيا مفصلا عن إصابة رغد.. وصورا لبطاقته العائلية الشاملة لاسم رغد.. وشيكا مصرفيا بمبلغ كبير.. وتوكيلا مؤقتا باسمي لأتولى الوصاية على رغد..خلال الفترة التي سيقضيها في الخارج... هكذا سافر وليد قبل أن يترك لنا المجال للاستيعاب... ويمكنكم تصور وقع نبأ كهذا على الفتاة التي كانت تحترق رمادا من أجل مهاتفته.. والتي تتلوى شوقا لعودته.. وتتصل بي عشرات المرات من السؤال عنه.. عندما رأيت ما حل بها.. تقلبت في مخيلتي ذكريات قديمة أخرى.. كانت مركونة بإهمال في إحدى نتوءات دماغي. حدث ذلك قبل تسع سنين عندما كنا في المدينة الساحلة في بيتنا القديم. بعد أن غادر وليد المنزل, أصيبت رغد بحالة افتقاد مرضية حادة.. في تلك الفترة رفضت الذهاب إلى المدرسة وصارت تلازم والدتي كالظل حتى في النوم وتراودها الكوابيس المفزعة وتصحو من النوم مفزوعة وتصرخ (أريد وليد.. أريد وليد) كانت أشبه بالمذعورة وقد أدخلناها للمستشفى بسبب رفضها للطعام وزاد الأمر سوءا الحرب والتدمير الذي تعرضت له مدينتنا وجعل الناس جميعا يعيشون حالة ذعر هستيري. ومن سيء إلى أسوأ تدهورت حالتها حتى قرر والدي رحمه الله الهجرة إلى الشمال الذي كان ينعم بأمان حتى العام الماضي.. ومن سيء إلى أسوأ تدهورت نفسية رغد بعد سفر وليد المفاجىء هذا ووجدت نفسي أعاصر إحدى أسوأ الفترات العصبية التي عاشتها من جديد... أروى منذ ذلك اليوم المشؤوم... الذي رحل فيه وليد بعد شجاره معي... ووالدتي طريحة الفراش في المستشفى والأطباء قرروا إجراء عملية جراحية لقلبها المريض.. أخيرا... كان خالي يواضب على الاتصال بوليد الذي لم يكن يجيب... حتى رد اليوم وأبلغ خالي بأنه مسافر إلى خارج البلدة لبضعة أسابيع. تدهورت صحة والدتي لما علمت بالخبر من خالي.. وها نحن نجلس إلى جانبيها في غرفة العناية القلبية المركزة.. والطبيب يبقي كمامة الأوكسجين على وجهها ويمنعها عن بذل أي مجهود يتعب قلبها. أنا أمسك بيدها أضمها إلى صدري وأقبلها وأدعو الله أن يشفيها عاجلا... التفت والدتي إلي وسألتني: "ألم تتصلي بزوجك؟" فأجبتها: "كلا". فقالت: "هل يعلم بأنني في المستشفى؟" فقلت: "نعم. فقد أخبره خالي بذلك". ونظرت إلى خالي الذي حرك رأسه مؤيدا. فقالت أمي: "إذن لماذا لا يحضر لزيارتي؟ ليس من عادته التخلف في موقف كهذا". أجاب خالي: "لأنه مسافر حاليا". فنظرت إلي وشدت على يدي وقالت: "يا ابنتي.. هل تخفين عني شيئا؟" فقلت: "كلا". ولكنها بدت متشككة واستدرت إلى خالي وسألت: "هل تخفون عني شيئا يا أخي؟" فقال أخي: "ربما حصل شيء.. بعد ذلك الشجار... ربما وليد نفذ ما طلبته أروى... لا أريد أن أرحل وأنا غير مطمئنة على ابنتي". قربت رأسي من رأس أمي وأخذت أحضنها وأقبلها وأقول: "لا تقولي هذا يا أمي أرجوك". وهي تتابع: "الأعمار بيد الله.. نسأله حسن الخاتمة". فلم أتمالك نفسي وفاضت الدموع في عيني.. وقلت: "أرجوك يا أمي لا تتحدثي هكذا.. شفاك الله ومد في عمرك.. أنا من لي غيرك في هذه الدنيا؟" وأحسست بيدها تمتد وتلامس يدي ثم سمعتها تقول: "لا زوجك.. وخالك.. يرعاكم الله". ثم التفتت إلى خالي وقالت: "أخي يا قرة عيني.. أحضر وليد وصالحهما أصلح الله لك آخرتك.. الشاب جيد ومن خيرة الرجال وأنا ما كدت أصدق أنني وجدت من أستأمنه على ابنتي مهجة قلبي". خالي مسح على رأس أمي وقال: "لا تشغلي بالك بهذه الأمور يا أم أروى هداك الله.. إنه شجار عابر يحصل بين أي زوجين وينتهي". لكن أمي أبدت عدم التصديق مخاطبة خالي: "لا تدعه يذهب يا إلياس.. ما كان نديم ليطلب من شخص عادي أن يهتم بعائلته". ثم التفتت إلي وقالت: "لو لم يكن رجلا بمعنى الكلمة.. لما تمسك بالمسؤولية عن ابنة عمه اليتيمة بهذا القدر". وشددت على يدي وقالت: "تمسكي به يا أروى.. لا تفرطي به.. يهديك الله". يتبع
|
||
|
|
|
|
|
المشاركة رقم : 246 (permalink) |
|
تتمـــــــــــــه ************* حصلت على أقرب موعد ممكن مع أحد أطباء العظام في إحدى المستشفيات الكبيرة في المدينة الصناعية واليوم سآخذ رغد من أجل المعاينة ومتابعة العلاج. استخرجت الظرف الذي أرسله لي شقيقي قبل سفره وقلبت الأوراق لاستخراج التقرير الطبي. وأثناء ذلك اطلعت على مجمل الأوراق وبشكل أخص على ورقة التوكيل. كانت ورقة رسمية وموثقة من قبل مكتب المحامي يونس المنذر وهو شخص سبق لوليد وأن أخبرني بأنه يعمل معه في المصنع. ذكر في هذا التوكيل أمورا كثيرة يفوضني لتوليها وفي الأسفل ذكرت جملة الاستثناءات.. وفي الواقع لم يكن هناك غير استثناءين اثنين... الزواج والسفر! ويحك يا وليد! وهل تظن مثلا بأنني سأستخدم هذا التوكيل وأعيد رغد إلى ذمتي وأهرب بها بعيدا؟؟ ليتني أستطيع ذلك.. أخذت أوراق التقرير الطبي وذهبت إلى بيت أبي حسام. تمنيت أن أقابل رغد بحالة أفضل ولكنها كانت بحالة يرثى لها.. "لا أريد أن أذهب إلى أي مكان... ومن فضلك يا سامر لا تضغط علي..." هذا ما استقبلتني به فقلت: "بربك رغد! لا بد من معاينة إصابتك ومتابعة علاجك. بل إنني أخشى أن نكون قد تأخرنا ويصيب قدمك أو يدك شيء لا قدر الله". قالت بلا مبالاة: "لا فرق عندي". لن أبذل الجهد في محاولة تشجيعها فنبرتها أشد كآبة من أن تتغلب كلماتي عليها... لكنني قلت برجاء: "يا رغد.. يجب أن نزور الطبيب حتى تتخلصي من هذا العكاز وهذه الجبيرة.. هل يعجبك أن تظلي معاقة عن الحركة الطبيعية وحتاجة لمساعدة الآخرين في أبسط الأشياء؟" وكانت الآنسة نهلة تجلس معنا وسترافقنا إلى المستشفى, فقالت مشجعة رغد: "على العكس. أنها تريد التخلص من هذين بسرعة. أليس كذلك؟ اشتاقت إلى الرسم ونتوق لفنها الرائع! هيا بنا عزيزتي". لكن ردة فعل رغد جاءت عنيفة! انفجرت صارخة: "قلت لكما اتركاني وشأني... لا أريد الذهاب إلى أي مكان... إلا إذا شئتما حملي إلى المقبرة ودفني تحت الأرض... لأرتاح وأريحكم جميعا..." قالت الآنسة نهلة بعد الدهشة: "بعد ألف شر! لا تتكلمي هكذا يا رغد". فردت رغد بانفعال: "ما لم يعجبكم كلامي فحلوا عني... لماذا تضغطون علي؟؟ أتركوني وشأني... أتركوني وشأني.." وهمت بمغادرة المجلس حيث كنا هي وأنا والآنسة نهلة جالسين... في ذات الوقت دخلت الخالة أم حسام الغرفة وهي تنظر نحو رغد ويظهر أنها سمعت صوتها الصارخ وكلامها الزاجر... لما رأت رغد خالتها تصرفت بعصبية أكبر وغيرت اتجاه سيرها واستدارت نحو الباب الخارجي للمجلس وخرجت إلى الفناء... أم حسام لحقتها بسؤال: "إلى أين يا رغد؟" والأخيرة ردت بحدة: "إلى حيث ألقت". وهذه إجابة وبأسلوب لم أعهده على رغد. فهي لطالما كانت تحب خالتها وتعاملها بكل احترام ومودة كما وأن رغد فتاة مهذبة وهادئة الطباع وراقية الأسلوب. هذا تحول غريب في شخصيتها صبغها به حزنها وغضبها بسبب سفر وليد. وبعد أن انصرفت رغد خاطبتني الخالة متسائلة: "هل وافقت؟" فأجبت إجابة مخيبة: أبدا. لم تعرني أذنا صاغية. جل ما أخشاه هو أن تتطور إصابتها للأسوأ لا قدر الله". فقالت الخالة آسفة: "إنها لا تستمع إلي وترمقني بنظرات الاتهام وتشعرني بأنني ارتكبت جريمة عظمى في حقها. أيرضيك أن ندعها تسافر مع وليد بمفردهما؟؟ هل هذا يليق؟؟" ولم أشأ فتح المجال لها لإدارة موضوع هكذا الآن, وفي خاطري نقمة على المعاملة السيئة التي عومل بها شقيقي من قبلها وآثرت أن أصرف الاهتمام إلى إصابة رغد فقلت: "سألحق بها وأحاول إقناعها... على الأقل ولو بزيارة واحدة للطبيب الآن". ونهضت واستأذنت وخرجت إلى الفناء أتعقب رغد. فوجدتها تسير ببطء بعكازها متغلغلة في الحديقة حتى وقفت عند إحدى الأشجار الباسقة فاستندت إليها وأطلقت بصرها نحو الأعلى. توقفت على بعد مترين أو أكثر منها ثم سألتها: "أيمكننا التحدث؟" ردت بضيق: "أرجوك لا تتعب نفسك وتتعبني... لن أذهب إلى المستشفى ولا يهمني ما يحل برجلي ولا بيدي... لن أخسر شيئا إن فقدتهما أيضا إزاء كل ما فقدت". الحزن بلغ بها لهذا الحد... وحزنها يعصرني... قلت بلطف مشجعا: "أنت لم تخسري شيئا يا رغد..." فرمتني بنظرة قوية وقالت: "ما حجم الخسارة التي تريدون مني فقدها حتى يمكنكم رؤيتها؟؟" رددت: "لا أحد يريد لك خسارة شيء... رغد لا تنظري للأمر هكذا". وضغطت على أعصابي وأضفت: "إنه سافر مؤقتا ولم يرحل عن الدنيا لا سمح الله". وأخذت تعبيرات وجهها تنهار شيئا فشيئا... وتابعت: "وسيعود حتما بإذن الله." أطرقت برأسها وقالت نافية: "لن يعود... لقد تخلى عني... أخلف بوعده... إنه دائما يخلف بوعوده.... لطالما كان يتركني ويسافر بعيدا... يظن أنني سأبقى حية لحين عودته ذات يوم... لا يعرف أنني سأموت عاجلا بسببه". عضضت على أسناني بمرارة وتحملت الألم وقلت: "بعد ألف شر وشر... لا تكوني متشائمة هكذا... لقد أخبرني بأنه سيقضي بضعة أسابيع للاستجمام هناك ثم سيعود". قالت مصرة: "لن يعود إلي... ألم ينقل كفالتي إليك؟ تبرأ من مسؤوليتي... انتهينا". وكم ألمت لألمها وتجرعت مرارتها. عقبت: "الوصاية التي أسندها إلي جزئية ومؤقتة. لا تخشي... ستعودين إلى كنفه ورعايته فور مجيئه". ولكن رغد أومأت برأسها عدم التصديق وبأسى قفلت: "بلى... ولكن... هل أنا سيء لهذا الحد؟؟" هنا حملقت بي وكأنها للتو تدرك أنني سامر خطيبها السابق والذي يحبها كثيرا... تبدلت سحنة وجهها وقالت بصوت كئيب: "أنت... أعز إنسان على قلبي... سامحني..." وكانت تقول بمرارة وندم... وقد تكون اللحظة الأولى التي تكتشف فيها رغد كم قست علي وجرحتني وإلى أي عمق طعنت قلبي... تابعت رغد: "ليته لم يظهر في حياتي من جديد... ليتني لم أقترب منه... كم أنا حمقاء... حمقاء وغبية وواهمة... أتعلق بالأوهام... والخيالات المستحيلة... وواقعي... فتاة يتيمة وحيدة بائسة معدمة..." وضربت بعكازها جذع الشجرة وتابعت: "ومعاقة وعاجزة وعالة على الآخرين". قلت معترضا: كفى يا رغد... لا تصفي نفسك بهذا وأنت العزيزة الغالية وكلنا رهن إشارتك". لكنها واصلت بكآبة: "ما الذي كنت أتوقعه لنفسي؟؟ البلهاء... ما الذي كان سيجعله يختارني؟؟ ما الذي لدي ويستحق العودة من أجله؟؟ ماذا أملك أنا ليعجبه؟؟ أنا لم أثر لديه إلا الإزعاج والقلق والمشاكل..." وأضافت: "وبعد كل هذا... تأتي خالتي وعائلتها ويهينونه في بيتهم وعلى مرأى ومسمع مني... كيف أنتظر منه أن يعود من أجلي؟؟ يا لي من حمقاء... غبية". قلت: "هوني عليك أرجوك... لم كل هذا؟؟ بالله عليك... إن هي إلا فترة مؤقتة ويعود ونصلح الشروخ الحاصلة بين الجميع.. ليس شقيقي من النوع الذي يهرب من المسؤوليات والشدائد بل هو أهل لها". فقالت منفعلة: "إذن لماذا لا يرد على اتصالاتي؟؟ لماذا قاطعني؟؟" أجبت محاولا تحسين الموقف وتبريره: "تعرفين... إنه غاضب ولا يحسن المرء التصرف في ثورة الغضب. عندما يهدأ سيتصل بك". فقالت: "ما ذنبي أنا؟؟... لماذا يشملني في غضبه ومقاطعته؟" قلت: "أعذريه يا رغد... ربما كانت خالتك بالغة القسوة عليه". قالت: "كلهم قساة... وليد أشرف وأرقى منهم جميعا... سوف لن أغفر لهم إهانتهم له... وإذا لم يعد ويأخذني معه فسوف لن أبقى في هذا المنزل... وسأعود إلى بيتي المحروق وأدفن نفسي تحت أنقابه". يتضح لكم مدى الاكتئاب الذي ألم برغد جراء سفر وليد... لم أفلح يومها في إقناعها بالذهاب إلى المستشفى وحالما عدت إلى شقتي هاتفت شقيقي وأبلغته عن هذا فوبخني وألقى بالمسؤولية علي وقال لي بالحرف الواحد: "أنت المسؤول عنها الآن ويجب أن تتصرف ولا تدع عنادها يتغلب عليك. أرحني من همها بضعة أسابيع لا أكثر فأنا قرحتي تكاد تمزق أحشائي". وفهمت من كلامه بأن وضعه الصحي متدهو وقلقت كثيرا... وربما يكون الطبيب هو من نصحه بالسفر والاستجمام بعيدا عن المشاكل والمسؤوليات من أجل صحته... خصوصا وأنني لاحظت إكثاره من تناول الأدوية خلال فترة مكوثه في شقتي... واهذا تحاشيت في المكالمات التالية وقدر الإمكان إبلاغه بالتفاصيل المزعجة عن وضع رغد وادعيت بأنها في تحسن بينما هي عكس ذلك... إلى أن حل يوم احتد الجدال فيه بين رغد وخالتها واتصلت بي هي بنفسها وطلبت مني أخذها إلى المستشفى. لم يكن هدفها هو المستشفى بل الابتعاد عن خالتها... زرنا الطبيب وعاينها واطلع على تقاريرها وأجرى لها بعض الفحوصات ثم أخبرنا بأنه لا يزال أمامها أسابيع أخرى قبل أن يمكنها الاستغناء عن الجبيرة والعكاز... وهذا خبر لم يزد رغد إلا كآبة ما كان أغناها عنها... فانزوت على نفسها في غرفتها بقية اليوم. اتصلت بشقيقي مساءً وأعلمته بأننا زرنا الطبيب أخيرا وأخبرته بما قال, كما أوصاني مني مسبقا.. ولكنني أخفيت عنه مسألة الإحباط الشديد الذي ألم برغد وطمأنته على صحتها... وأذكر أنه يومها سألني بتشكك: "لأا تخفي عني شيئا؟؟ هل حقا تقبلت النبأ؟" فقلت له: "أسألها بنفسك لتتأكد!" قال: "سأفعل, في الوقت المناسب". والله الأعلم متى يحين الوقت المناسب حسب معادلة وليد...! ومرت أيام أخرى... والحال كما هي. وليد غائب ويتابع أخبار رغد عن بعد ويرفض التحدث معها أو أقاربها أو عن شجاره معهم... وهي في كآبة مستمرة لا تعرف حتى البسمة السطحية إلى وجهها طريقا... إلى أن طلبت مني الخالة أن أزورهم ذات مرة... "لا أفعل هذا إلا من أجل رغد... الفتاة تذبل يوما بعد يوم وأخشى أن تموت بين يدي... معاملتها ونظراتها لي كلها اتهام ونفور شديدين... وأنا لا أقوى على مواجهتها خشية أن يزداد الموقف حدة ولا أستطيع تحمل وضعها هذا... قلبي منفطر عليها ويكاد الشعور بالذنب يمزقني... أريد أن نتصالح مع وليد لأجلها وأن أفهمه أنني لم أقصد إهانته شخصيا بل توضيح حدود علاقته برغد... قل له أن يعود وإلا أنها ستموت أن بقيت على هذه الحال..." قلت وأنا أعلم كم يرفض وبشدة الحديث عن أو مع عائلة الخالة: "سأخبره عن رغبتك في محادثته حينما أتصل به". فقالت: "اتصل به الآن يا سامر رجاء ودعني أكلمه". أحرجني الطلب فأذعنت له كارها واتصلت بشقيقي وبعد تبادل التحيات أخبرته بأنني في منزل أبي حسام وأن الخالة أم حسام ترغب وبشدة في التحدث معه, وبدوره أيضا وليد أحرجني جدا حيث قال: "لا أرغب في التحدث مع أحد يا سامر.. البتة.. أرجوك أنهِ المكالمة". قلت ووجهي يحمر حرجا: "ولكن.." فقال: "آسف يا سامر سأغلق الهاتف رجاء لا تكرر هذا ثانية. اعذرني ومع السلامة". وقطع الاتصال. أبعدت الهاتف عن أذني وعيناي تطئان الأرض خجلا وأم حسام تراقبني ثم قالت: "لم يشأ التحدث معي أليس كذلك؟" قلت محرجا: "إنه.. أعني.." وطبعا أم حسام فهمت الأمر. قالت مستنكرة: "ولكن ما هذا الطبع في أخيك؟ يجب أن يكون أرحب صدرا وأوسع بالا و |