هذه القصة قرأتها بأحد الروايات لكاتب من سوريا أعجبتني كثيراجئت أنقلها لكم
القصة طويلة قليلا لكنها تستحق القراءة والمتابعة
الصخرة
ضرب بقبضته الغاضبة الرخامة الثمينة فحطمها تحطيما .. خرج مسرعا .. ركب دابته الضامرة ، واتجه شمالا دون توان .. مر بمدن كثيرة مقفزة تسرح فيها الرياح وهي خاوية على عرشها . لم يأخذ أي قسط من الراحة حتى دخل دمشق الغارقة في الظلام . مشى بخطوات واسعة يلاحقه صوت طرقاتها على الأحجار السوداء في الحارات الخالية إلا من الجدران الصامتة حتى وصل إلى المسجد الأموي . دخل من باب كبير إلى باحته ، ألقى نظرة مجروحة الكبرياء على قبته المنكمشة من البرد ، ثم خرج من باب أخر معامد للأول .. مضى في طريق ضيق .. دفع بكل قواه بابا خشبيا ثقيلا لبناء مضلع ذي قبة حمراء ، ومشى بين القبور المبعثرة ، حتى وقف أمام قبر من خشب الجوز المزركش .
طرق فوق خشبته بعنف ، وصاح : إنهض ياصلاح الدين .. أجابه صمت حجري صلب .
طرق الخشب بعنف أكثر ، وصاح إنهض ياصلاح الدين .. أفاق أهل القبور وصاحو ا من ينادي ميتا عتيقا في هذا الوقت ؟؟ لقد أزعجتنا بصراخك .. أتركنا وارحل بسلام ..
لم يأبه لهم وطرق ثالثة ، وصاح أعلى وأعلى : إنهض ياصلاح الدين .. إنهض القدس في خطر .
رد صوت عميق تعلوه أثقال مئات السنين : من يناديني الأن ؟
_ أنا عمر بن الخطاب .. إنهض ياصلاح الدين .. إنهض القدس في خطر ..
_ لاتغضب ياأمير المؤمنين القدس بخير .. لقد حررناها من الصليبيين منذ زمن بعيد .
* إنهض ياصلاح الدين .. إنهض .. القدس في خطر .. أعرف أنكم تباسلتم في طرد الصليبيين منها .. لكن ياصلاح الدين لكل زمن صليبيه ..
إنهض حالا ..
_ أنا متعب جدا .. لم أشبع نوما بعد .
_ إنهض ياصلاح الدين .. ليس هذا الوقت للنوم .. القدس في خطر ، اليهود يقضمونها بشراسة .. مثلما يقضمون فطيرتهم المعجونة بدماء الأخرين .. هيا إنهض ياصلاح الدين.. لاتضيع الوقت ..
تشابكت يدان صلبتان ، فتحطم التابوت الخشبي .. تحطم سكون الليل الثقيل .. تعانق جسدان عملاقان بحرارة بين القبور الحجرية المسكونة بأموات هادئين ، ومضيا بسرعة تشق خطواتها الصمت المهول الذي يلف دمشق بردائه الأسود .
سارا معا في شوارع مظلمة مقفزة كثيرة .. دخلا مدنـا نائمـة كثيرة يتبادلان الركوب على دابة واحدة ، حتى وصلا أرضا بارك الله حولها ..
_ أنصت ياصلاح الدين .. أتسمع أصوات الجرافات الصهيونية .. أترى أضوائها التي تفقأ العيون ..
_ أنا لاأرى ولا أسمع .
_ جنازيرها الحديدية تدهس ضلوعي .. إنهم يكتسحون القدس .. يزيلونها عن الوجود .. أتفهم ياصلاح .. إنهم ينهونها .. ينهونها .. يجب أن نوقفهم قبل فوات الأوان .
_ نحن أموات ، ولانستطيع أن نفعل شيئا .
_ بل نحن أحياء .. أحياء ياصلاح الدين .. أحياء في قلوب كل المسلمين .. أحياء في قلوب كل العرب .. أحياء .. ويجب أن نتحرك .. يجب أن نفعل شيئا .. والجميع سوف يكونون معنا .
_ أين هم ؟؟ نحن وجدنا في هذا الليل البارد .. وحدنا ياأمير المؤمنين . ووحدنا لانستطيع فعل شيء .. الجميع أموات .. ونحن وحدنا ..
_ كل قلوبهم معنا .. إنهم أحياء ياصلاح الدين ..أحياء .. لكن علينا أن نصرخ كي يستيقظو ، وسوف يأتون .. أصرخ ياصلاح الدين كي يستيقظو .
لن يستيقظو مهما صرخنا ياأمير المؤمنين .. لقد اعتادوا الموت ..
_ أنا يائس يا أمير المؤمنين .. صرخ كثيرون قبلنا ولم يتحرك لهم جفن ..
_ لاتيأس ياأخي .. لكل شيء ميقاته ، والأن أن الأوان .. إنهم أحياء ، وسوف يستيقظون .. فقط أصرخ ياصلاح .
_ سيضيع صراخنا في الفراغ .. فلا ترهق نفسك يا أمير المؤ منين ..
_ لا لن يضيع ياصلاح ، الخير ساكن فينا إلى يوم القيامة .. فقط أصرخ ياصلاح ، سوف يستيقظون ، ويأتون لإنقاذ القدس ، أصرخ ياصلاح .. إني أراهم من كل حدب وصوب ينسلون .. إني أراهم ينفرون خفافا وثقالا .. إني أراهم يأتونك على كل ضامرة ومن كل فج عميق .. إني أسمع هديرهم يصرخون لبيك اللهم لبيك .. لبيك ياقدس لبيك .. إني أراهم يدخلونها كما دخلوها أول مرة .. وإني أراهم بهجة للناظرين .. لاتسمع فيها لاغية .. إني أراها .. أراها .. ولكن أصرخ ياصلاح الدين .. كي يستيقظو من جديد .
كانت سهام الصبح تنغرز في ضلوع الظلام عندما ألتقي صراخهما المدوي ، فأجابه صدى كزئير سبع عملاق من جرح أليم . واهتزت الصخرة المشرفة مؤذنة بالتحرك ..