كارثة اضراب المعلمين في فلسطين
لم يبدأ العام الدراسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى الآن، مع أنه من المفترض أن يبدأ في بداية أيلول الماضي، أي أن ربع العام الدراسي ضاع على الطلاب نتيجة لاضراب المعلمين وبقية العاملين في مؤسسات السلطة الفلسطينية جراء عدم استيلامهم لرواتبهم منذ ثمانية شهور، أي منذ تشكيل حركة حماس للحكومة الفلسطينية بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في الانتخابات التي جرت في منتصف كانون الثاني الماضي، وما أعقب ذلك من فرض حصار مالي واقتصادي ظالم على الشعب الفلسطيني قادته اسرائيل وامريكا وتبعتهم بقية دول العالم بما في ذلك الدول العربية وذلك لاسقاط حكومة حماس، او ارغامها على تغيير برنامجها السياسي بما يتلاءم والشروط الاسرائيلية الامريكية.
وبغض النظر عن الموقف السياسي والاشتراطات السياسية المطلوبة فإن حرمان مليون ونصف المليون طالب فلسطيني من حقهم في التعليم الالزامي يشكل كارثة لمستقبل الشعب الفلسطيني، حيث ستعاني أجيال وليس جيلا واحدا من ضياع عام دراسي على شعب كان السبّاق بين شعوب المنطقة في التحصيل العلمي، بل إنه من الشعوب الأولى في نسبة الخريجين الجامعيين من ابنائه، وتكاد الأميّة تكون شبه معدومة فيه.
وظاهرة اضراب المعلمين فيه جديرة بالتوقف بغض النظر عن اسبابها وبغض النظر عن المسؤول عن ذلك، وهو بالتأكيد الجهات التي تفرض حصارها الظالم على هذا الشعب المظلوم والذي يعيش تحت احتلال بغيض استهدف ولا يزال يستهدف البشر والشجر والحجر منذ أربعين عاما، فإن على القوى السياسية الفلسطينية المتناحرة على سلطة لا تحمل من مقومات السلطة إلا اسمها، وفي مقدمتها حركتا فتح وحماس، ان تستفيد من تجارب الشعوب الأخرى التي عاشت نفس الظروف، سواء كانت هذه التجارب سلبية، وبالتالي فإنه علينا تجنب هذه السلبية،او ايجابية وعلينا الاقتداء بها، فأثناء الاحتلال الامريكي لما كان يعرف بفيتنام الجنوبية، واستهداف سلاح الجو الأمريكي للمؤسسات في فيتنام الشمالية التي كانت تدعم بلا حدود ثوار الفيتكونج الذين كانوا يقاتلون الغزاة الامريكان، بل كانت مشاركة في الحرب، أدرك الفيتناميون أهمية تعليم أبنائهم، وبالتالي نقلوا الاطفال إلى الغابات المحاذية للحدود الصينية حيث علموا ابنائهم تحت اشجارها.
وكان لهم النصر في العام 1976 حيث انسحب الغزاة الامريكيون، واستقلت فيتنام وتوحدت.
وفي الأراضي الفلسطينية ومع صعوبة الحياة برمتها، وقساوة الأوضاع الاقتصادية التي اوصلت أربعة ملايين فلسطيني الى حافة المجاعة، فإن ضياع العام الدراسي يصيب الشعب الفلسطيني جميعه أفرادا وجماعات، فلا يوجد بيت ليس له ابناء في سن الدراسة، ومن حق الشعب الفلسطيني الذي قدم مئات الاف الشهداء والجرحى والأسرى، من حقه على تنظيماته واحزابه ان تعرف المصالح العليا لهذا الشعب، واذا كان التحرير والاستقلال هما الهدف الأسمى لهذا الشعب فإن التحرر من الجهل لا يقل أهمية عن الهدف الأسمى، بل إن الهدف الأسمى لن يتحقق إلا بالعلم، ولن ننسى أبدا أن الفارق بين امتنا وبين اعدائنا هو فارق علمي ورحم الله شاعرنا الذي قال :
العلم يبني بيوتا لا عماد لها والجهل يهدم بيوت العز والكرم ومراكز الأبحاث الاسرائيلية - والتي يفتقر شعبنا وامتنا الى مثيلات لها - كانت تبدي قلقها من تزايد اعداد الخريجين الجامعيين عند الشعب الفلسطيني بشكل خاص وعند الامة العربية بشكل عام، وكان اصحاب القرار السياسي في اسرائيل يأخذون نتائج هذه الأبحاث على محمل الجديّة، فهل سندمر مستقبل شعبنا بأيدينا، وبالتالي نقدم بأيدينا خدمة مجانية لأعدائنا الذين ما برحوا يضعون الخطط لتجهيلنا؟! ويبدو أننا نفعل ذلك، ونؤدي هذه المهمة بخطى ثابتة، ويبدو أننا أيضا لا نتعلم من تجاربنا، ومن هذه التجارب التي ثبت خطؤها هو ما ارتكبته القيادة الموحدة للانتفاضة الفلسطينية الاولى التي انطلقت في السابع من كانون اول عان 1987 عندما دعت المدارس إلى الاضراب بعد الثانية عشرة ظهرا مع بقية القطاعات اضافة الى أيام الاضرابات الطويلة الاخرى، وما صاحبها من أيام طويلة لمنع التجول الذي كان يفرضه عساكر الاحتلال، وقد ظهر ذلك على التحصيل العلمي لابنائنا طلبة تلك المرحلة، وكان الأسوأ هو التحصيل العلمي لطلبة الجامعات المحلية والتي كانت هي الأخرى تشارك في الاضرابات.
فعلى سبيل المثال من يصدق ان افواجا من الطلبة الجامعيين تخرجوا من جامعاتنا المحلية وطلبة قسم اللغة العربية على سبيل المثال لم يدرسوا شيئا من مادة النحو نتيجة للاضرابات مع ما تمثله هذه المادة من عصب للغة العربية التي يدرسها الطالب، وهؤلاء الخريجون يمارسون التعليم في مدارسنا الآن؟؟ فلماذا لم نتعلم من هذه التجربة؟؟ ولماذا لا نتلاشى اخطاءنا؟؟ أم انه قدرنا ان نبقى رهن " اجتهادات " اشخاص ثبت انهم يسعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية بغض النظر عن النتائج التي تضر وطنا وشعبا عانيا ولا يزالان معاناة يصعب وصفها.
إن بعض المزاودين – وهم نفعيون في غالبيتهم أو جهلة – يطلقون تصريحات رنانة من خلف مكاتبهم الوثيرة، ومن يسمعهم يحسب أننا دولة عظمى، ويتناسون أننا شعب تحت الاحتلال، بل إننا كنا الشعب الوحيد تحت الاحتلال قبل ان تقع افغانستان والعراق تحت الاحتلال.
إن ثقافة " الطخطخة " بالأسلحة الخفيفة إن وجدت – أو بالطخطخة الكلامية – ومطلقوا الكلمات النارية كثيرون في مجتمعنا لهم دور في إيصال شعبنا إلى الحالة التي نحن فيها، ويبدوا انهم لن يتوقفوا عن ذلك مما يستدعي أن يقول الشعب كلمته لأنه وصل حد التخمة من المزاودات اللاعقلانية واللامنطقية واللاوطنية واللااسلامية... الى آخره من اللاءات التي دمرتنا ودمرت قضيتنا الوطنية.
الصراع على السلطة :
إن الصراع على سلطة تحت الاحتلال أوصلنا المهالك، فجدار التوسع الاحتلالي الاسرائيلي يكتمل بناؤه، والقدس حوصرت من جميع الجهات وأصبحت معزولة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتهويدها لم يتوقف يوما والمستوطنات تتضخم بشكل هستيري، وشعبنا وصل إلى حافة المجاعة، بل إن قطاعات واسعة من شعبنا لم ينقذها من الجوع سوى المعونات البخسة التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين وبعض منظمات الاغاثة الدولية، والضفة الغربية مجزأة إلى كانتونات متباعدة يفصلها عن بعضها البعض جدار الوسخ الاحتلالي، والحواجز العسكرية الاحتلالية، وقطاع غزة محاصر من جميع الجهات ومن البر والبحر والجو، وتجمعاتنا السكنية تتعرض للقصف يوميا، وأبناؤنا يسقطون برصاص الاحتلال يوميا بما في ذلك يوم العيد، وعشرات الجرحى يصابون يوميا، والاغتيالات لم تتوقف يوما واحدا، واكثر من عشرة الاف أسير يقاسون الويلات في السجون، وآلاف البيوت تهدم تحت القصف الصاروخي والمدفعي والجوي في قطاع غزة، وآلاف الأسر مشردة بدون مأوى، أفلا يكفينا ذلك؟
ما العمل؟؟
كنا نتمنى ان يحترم العالم خيار شعبنا الديمقراطي، خصوصا أولئك الذين تباكوا على غياب الديمقراطية في منطقتنا، وان يتركوا الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس تمارس صلاحيتها، كي تثبت التجربة أنها مؤهلة أو غير مؤهلة للحكم، لكنهم لم يتركوها وشأنها، وحصارهم ليس للحكومة الفلسطينية وانما للشعب الفلسطيني، لكن الامنيات شيء والواقع شيء آخر، هذا الحصار الذي كان يؤمل أن يقف في وجهه الشعب الفلسطيني جميعه والامة العربية جميعها لكن هذا لم يتحقق أيضا.
وكنا نأمل أن تشكل حكومة وحدة وطنية تتحمل فيها كافة الفصائل الوطنية المسؤولية التاريخية في هذه المرحلة الخطيرة من حياة شعبنا، لكن يتضح ان التناحر الفصائلي على السلطة يعيق تحقيق الوحدة الوطنية، وحركة حماس التي تتشكل منها الحكومة قدمت بقاءها في السلطة على كل المصالح الاخرى، وحركة فتح ترتأي أن حقها في العودة إلى السلطة الفلسطينية مقدم على كل المصالح الأخرى هي أيضا، مع انها لم تعمل شيئا على الأرض لتلافي الأسباب التي أوصلتها إلى الخسارة في الانتخابات.
دور الرئيس :
ومع كل ما يتحلى به الرئيس محمود عباس من عقلانية سياسية، وهذه هو المعروف عنه في مسيرته النضالية حتى قبل ان ينتخب رئيسا للشعب الفلسطيني، فإنه لا يزال يرواح مكانه، ولم يحسم الأمور في الاتجاه الصحيح، لاعتبارات الوضع الفصائلي ولتقديره الواعي للواقع على الساحة الفلسطينية، ولمخاوفه الكثيرة من النتائج التي تترتب على سياسة الحسم، وأول هذه المخاوف والمحاذير هو الوقوع في فخ أولى الكبائر التي تتمثل في الحرب الاهلية التي لا يتمناها احد، وإن ارتأى البعض أن أي حسم للصراع الفلسطيني الداخلي – هو بمثابة وصفة للحرب الأهلية – ويبقى السؤال إلى متى سنبقى في هذه الدوامة المهلكة؟.
والى ان يتم حسم الأمور سواء بالاتفاق على حكومة وحدة وطنية أو بقرار من الرئيس بحل الحكومة، وتشكيل حكومة كفاءات، أو بأجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، فإن الرئيس والحكومة والفصائل مطالبون بحل مشكلة اضراب المعلمين لأن استمرار الاضراب سيكون مساهمة فعالة في تجهيل شعبنا، وما يترتب على هذا التجهيل من نتائج وخيمة ستعاني منها أجيالنا القادمة