بنظري قد يبكي الرجل خلوة دون أن يراه أحد، ولعل هذا الأمر
رغم مرارته ممكنا، ولكن متى يبكي الرجل أمام الرجال
وأمام شهود العيان. قد يبكي الرجل وهو لا يدري إذا فقد
عزيز عليه، وأقول عزيز وليت الكلمات تفي هذه الكلمة
معناها، فبأم عيني رأيت رجلا جلد يبكي فلذة كبده الشهيد
عندما شيعته الجماهير، نعم إن الأمر يستحق البكاء وفق كل
قوانين الإنسانية، حتى الحيوان يبكي إذا رأى صغيره يموت
أمام عينيه ولا يحرك ساكنا ليقف هذا الحيوان حائرا أمام
ما يراه ولا يستطيع أن يعبر عما يجول في خاطره. هذا الرجل
العجوز الذي حناه الدهر من شدة ما لاقى فيه من ويلات
ومكائد يبكي ولده، نعم إن الأمر يستحق البكاء، فسهر
الليالي على تربيته وما أكثر الليالي الحالكة التي تعصف
بالأبناء وخاصة في طفولتهم، ولعل المرارة في الذكرى. وقد
يشعر الإنسان الآدمي مع أخيه الإنسان، ولكن كما يقولون لا
يتجرع المرارة إلا صاحبها. ورأيت رجلا آخر يحتضن طفله
ويصرخ أمام شاشات التلفاز بعد أن دمر الاحتلال منزله،
نعم، دمر هذا العش الذي بناه لبنة لبنة ليراه الآن
ركاما، والأشد مرارة في الأمر انه لا يستطيع أن يحرك
ساكنا. نعم، عجْز الرجال عن فعل شيء قد يدفعهم للبكاء.
لاأنزل الله دمعة مؤمن